كاليقين). يقول السرخسي فيما إذا وجد المسلمون فرسا كتب عليه: حبيس في سبيل الله تعالى:"إن وجدوا ذلك في موضع هو في يد أهل الحرب, مما يكون غالبُ الرأي فيه أنه للمشركين, فإن هذا غنيمة كسائر الغنائم, لأن بهذه السمة لا يثبت استحقاق شيء في الحكم, فوجودها كعدمها, فيحتمل أن يكون المشركون فعلوا ذلك ليلبسوا على المسلمين إذا خرج بعضهم إلى المعسكر عينا يتجسس أخبار المسلمين, والمحتمل لا يكون حجة [1] ."
والحاصل مما تقدم بيانه أن السيمياء والعلامة حجة في الأحكام الشرعية التي لا سبيل إلى بنائها على الحجج الظاهرة البينة الدالة على حقيقة الأمر - كما هو ظاهر من عبارة (فيما لا يوقف على حقيقته) الواردة في صيغة من صيغ القاعدة -, ولابد من إجراء الحكم الشرعي عليه, وخصوصا فيما يحتاج فيه إلى فض النزاع, أو فيما مبناه على الاحتياط, والسيماء, وإن كانت دليلا ظنيا, فهي في مثل هذه النوازل حجة, ومن ثم تثبت بها الحقوق, وتترتب اعتمادا عليها الواجبات, وتستحق بسببها العقوبات, وإلا فإن عدم اعتبارها يؤدي ضرورة إلى تعطيل الكثير من الأحكام, وتضييع العديد من حقوق ومصالح العباد, (فالإشهاد بخبر العوام - مثلا - يوجب من العلم أكثر مما توجبه السيماء والعلامة) , ومع ذلك ثبت الاعتماد عليها شرعا في الاستدلال على ما تخفى حقيقته وإن كانت لا تفيد العلم اليقيني:"لأن العوام منهم لا يتواطؤون على الكذب, والسيماء قد تختلف, ثم يحكم بالسيماء" [2] , بل إن هذا هو شأن غالب البينات والقرائن المعتبرة في الأحكام. إن العمل بالسيماء, وإن كان مبناها على الظن, يمثل صورة من صور التيسير والتخفيف اللذين هما من سمات شريعتنا الغراء, قال المرداوي:"ومن"
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] شرح السير الكبير للسرخسي 3/ 1055.
[2] انظر شرح السير الكبير للسرخسي 5/ 2220.