ومعنى القاعدة: أن المفسد إذا وقع في عبادة من العبادات [1] , أو معاملة من المعاملات, ثم أزيل قبل ثبوته وتقرره فإنه يزول أثره ويلحق بالعدم, فلا يبطل به العمل, ولا يلزم استئنافه من جديد, مع ملاحظة أن المفسد للعبادة لا تفيد إزالته إلا إذا وقع عن عذر معتبر شرعا, كالسهو أو الاضطرار أو نحو ذلك من الأعذار, ويختلف ذلك من عبادة إلى أخرى, أما إذا تعمد ارتكاب المفسد دون عذر فإن العبادة تبطل من أصلها. بخلاف المعاملة فإن المفسد فيها يمكن إزالته حتى لو وقع عن عمد. وذلك لأن العبادة وضعت للامتثال والطاعة, وذلك لا يتحقق إلا بإيقاعها كما أمر الشارع, دون مخالفة في ذات العبادة وحقيقتها, أو صفه من صفاتها اللازمة لها, أما من أتى بها على صفة مخالفة لأمر الشارع فلا يكون بذلك مطيعا, ولا يتحقق الامتثال المطلوب, ولا تبرأ بها ذمته, ومن ثم كان الفساد في العبادات كالبطلان فيها بالاتفاق. أما المعاملات والعقود فالمقصود بها تحقيق مصالح العباد, وآثارها تتوقف على وجود أركانها وشروطها, فإذا تحققت فقد وجدت حقيقة الشيء وثبت له كيانه, إلا أنه قد يكون مختلًا لفوات بعض أوصافه, ولذلك يكون في منزلة بين الباطل والصحيح عند أبي حنيفة , ويجب أن تترتب عليه بعض الآثار. وذلك أقرب إلى تيسير معاملات الناس, وتأمين مصالحهم؛ قال الشاطبي:"ولما كانت العاديات في الغالب راجعة إلى مصالح الدنيا؛ كان النظر فيها راجعا إلى اعتبارين: أحدهما: من حيث هي أمور مأذون فيها أو مأمور بها شرعا. والثاني: من حيث هي راجعة إلى مصالح العباد."
فأما الأول؛ فاعتبره قوم بإطلاق, وأهملوا النظر في جهة المصالح, وجعلوا مخالفة أمره مخالفة لقصده بإطلاق؛ كالعبادات المحضة سواء, وكأنهم مالوا إلى جهة التعبد.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] انظر بعض الأمثلة المخرجة على القاعدة في العبادات في: المبسوط للسرخسي 1/ 247، بدائع الصنائع للكاساني 1/ 100،99.