{فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ} [البقرة: 115] " [1] ."
ووجه الاستدلال: أنه صلى الله عليه وسلم لم يأمرهم بالإعادة مع تبين الخطأ, ولم ينقض اجتهادهم الأول, فدل ذلك على أن الاجتهاد المستوفي شروطه لا ينقض.
3 -إجماع الصحابة رضي اللّه تعالى عنهم, فقد دلت الآثار الواردة عنهم في قضايا متعددة أن المجتهد الثاني لم ينقض حكم المجتهد الأول إذا خالفه, ومن ذلك أن جميع القضايا التي اجتهد فيها أبو بكر - رضي الله عنه - بصورة مخالفة لاجتهاد عمر - رضي الله عنه - لم ينقضها عمر بعد توليه الخلافة, وهكذا سائر الخلفاء الراشدين من بعدهما, فإن أبا بكر - رضي الله عنه - سوى بين الناس في العطاء, وأعطى العبيد, وخالفه عمر , ففاضل بين الناس, وخالفهما علي فسوى بين الناس وحرم العبيد, ولم ينقض واحد منهم ما فعله من قبله, بل إن عمر - رضي الله عنه - كثيرًا ما يتجدد نظره في المسألة الواحدة؛ فيقضي فيها بخلاف قضائه الأول, فحكم في الْمُشَرّكة بعدم المشاركة, ثم بالمشاركة وقال: ذلك على ما قضينا يومئذ, وهذا على ما قضينا اليوم, وقضى في الجد قضايا مختلفة [2] .
4 -لأنه لو نُقض الاجتهاد الأول بالثاني, لساغ أن يُنقض الثاني بالثالث, وهلم جرا؛ إذ ما من اجتهاد إلا وهو عرضة للتغير والتبدل, فيؤدي ذلك إلى التسلسل والدور, وهو باطل. [3]
5 -لأن ذلك يفضي إلى اضطراب الأحكام, وعدم استقرارها, وزوال الثقة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] رواه الترمذي 2/ 176 (345) ؛ وابن ماجة 1/ 336 (1020) ، وقال الترمذي: هذا حديث ليس إسناده بذاك.
[2] انظر: المنثور للزركشي 1/ 93، الأشباه والنظائر للسيوطي ص 101، الأشباه والنظائر لابن نجيم ص 89، فتاوى السبكي 1/ 369، المغني لابن قدامة 10/ 104.
[3] انظر: المراجع السابقة، والمستصفى للغزالي ص: 367.