منه, وتبرأ بذلك ذمة المكلف فلا يطالب بفعل الصغير, كما لو غسل المكلف رأسه في الوضوء بدل مسحه فإن غسل الرأس يغني عن مسحه, وكما لو حج قارنا فإن أفعال الحج يدخل فيها أفعال العمرة فتجزئ عنها؛ إذ الأول في المثالين أصغر من الثاني فيدخل فيه ويستغنى به عنه.
وبهذا يتبين أن القاعدة تشتمل على معنيين:
الأول: أن يكلف الإنسان بشيء فيعدل عنه إلى ما هو أكبر منه فيأتي به بدلًا عما كلف به كما في غسل الرأس بدل مسحه وفي إخراج بعير عن شاة في خمس من الإبل, وقد بسط الكلام على هذا المعنى في قاعدة"الواجب إذا قدر بشيء فعدل إلى ما فوقه هل يجزئه؟".
الثاني: أن يكون هناك حكمان أحدهما أكبر من الآخر فيدخل الأصغر منهما في الأكبر, كما في مسألة حج القارن وكما لو كان عليه غسل جمعة وغسل جنابة فإنه يجزئه غسل الجنابة عن غسل الجمعة, وهذه هي قاعدة التداخل الشهيرة [1] , مع ملاحظة أن من فروع قاعدة التداخل ومسائلها ما لا يدخل تحت القاعدة التي بين أيدينا كما لو كان عليه غسلان واجبان أو مستحبان فإنه يكفيه غسل واحد, وهذا ليس فيه أصغر وأكبر, ولذا فإن العلاقة بين القاعدتين هي علاقة العموم والخصوص الوجهي.
والقاعدة قد أوردها المالكية في كتب قواعدهم بصورة الاستفهام؛ إشارة منهم إلى أنها خلافية عندهم, والمشهور في المذهب عندهم في أكثر فروعها هو الاندراج [2]
وهي من قواعد الرفق بالمكلفين, والتيسير عليهم, ورفع الحرج عنهم,
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] انظرها في قسم القواعد الفقهية بلفظ:"الأسباب إذا تساوت موجَباتها اكتفي بأحدها".
[2] انظر: شرح المنهج المنتخب للمنجور 1/ 277، 278.