وهذه القاعدة تمثل مظهرًا من مظاهر رفع الحرج عن العباد, وهي من أعظم قواعد الإسلام؛ كما قال الإمام النووي:"التوبة أهم قواعد الإسلام, وهي أول مقامات سالكي طريق الآخرة" [1] , وذلك لحاجة الناس كافة إليها, في كل الأحوال وفي كل الأزمان, فالخطأ والزلل من طبيعة البشر, كما قال المصطفى عليه الصلاة والسلام:"كل ابن آدم خطاء, وخير الخطائين التوابون" [2] , فإذا بقيت هذه الأخطاء والذنوب في صحيفة أعمالهم من دون أمل في غفرانها, بقيت حياتهم كلها في ألم وحرج نفسي شديد, فكان من رحمة الله تعالى بعباده أن فتح لهم باب التوبة ليطهروا أنفسهم من أدران ما ارتكبوه من المعاصي, ووعد بقبولها مهما عظمت الذنوب وكبرت, ابتداء من جريمة الشرك بالله تعالى - الذي هو أعظم الذنوب, وأبطل الباطل - إلى أدنى المحظورات والمنهيات.
ومعنى القاعدة: أن من ارتكب شيئًا من المحرمات أو أخل بواجب من الواجبات, ثم ندم وتاب, ورجع إلى الطاعة فإن أثر المعصية يزول عنه, ويرجع طاهرًا نقيًا كما كان قبل الذنب, فلا يؤاخذ بشيء من أفعاله في الآخرة, وتعود له الحقوق التي منع منها ببسبب معصيته, فمن أتى بمعصية توجب الفسق فسقطت عدالته, وردت شهادته, وامتنعت ولايته ثم تاب منها فإن حكم الفسق يرتفع عنه, وتعود عدالته, وتقبل شهادته, ويثبت حقه في الولاية والحضانة, والعاصي بسفره إذا منع من الترخص بالفطر في رمضان, وجواز التنفل على الراحلة, والجمع بين الصلاتين, وأكل الميتة عند الاضطرار, ثم تاب في أثناء سفره جاز له الأخذ بالرخص, وهكذا كل ما كانت المعصية مانعًا منه فإنه يعود بزوالها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] شرح صحيح مسلم للنووي 17/ 24.
[2] رواه الترمذي 4/ 659 (2499) وقال: غريب؛ ورواه ابن ماجه 2/ 1420 (4251) واللفظ لهما؛ وأحمد 20/ 344 (13049) ؛ والدارمي 2/ 213 (2730) كلهم من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.