ومعنى القاعدة أن المقلد مطالب -كلما أمكن ذلك- بتلفيق وجه من الأقوال المختلفة يكون به في منأى عن التورط فيما اقتضى منها حرجا شرعيا كترك واجب أو فعل محرم. ومثاله استحباب استيعاب الشافعي الرأس بالمسح في الوضوء مراعاة لقول المالكية بوجوبه.
واستحباب الخروج من الخلاف يدخل في باب الورع والاحتياط والاستبراء للدين كما تصرح به الصيغتان المتنوعتان للقاعدة:"من الورع الخروج من الخلاف"؛ و"الأولى ارتكاب الأشد لأنه أحوط وأبرأ للخروج من الخلاف".
وبيان ذلك أن المقلِّد لمجتهد مخاطب في الأصل باتباع الأقوال الراجحة في مذهبه وبذلك تبرأ ذمته لأن"كل مجتهد إذا استفرغ جهده في طلب حكم شرعي وغلب على ظنه حكم فهو حكم الله تعالى في حقه وحق من قلده [1] ".
لكن الخلاف يقتضي ضمنا وقوع الشبهة لأن:"أدنى درجات الخلاف إيراث الشبهة", والمحتاط لدينه من شأنه تجنب الوقوع في الشبهات فيترك ما ليس بإثم في مذهبه إذا كان دليل محرمه قويا؛ ويأتي بما ليس بواجب فيه إذا كان دليل مخالفه القائل بوجوبه قويا خشية أن يكون هو المصيب سواء قلنا: إن كل مجتهد مصيب لجواز أن يكون مخالفه هو المصيب, وكذا إن قلنا: إن المصيب واحد لأن المجتهد إذا كان يُجوِّز خلاف ما غلب على ظنه ونظر في متمسك مخالفه فرأى له موقعا فينبغي له أن يراعيه على وجه [2] . وهذا الوجه هو الذي عبر عنه الإمام عز الدين بن عبد السلام بقوله:"وإن تقاربت الأدلة في سائر الخلاف بحيث لا يبعد قول المخالف كل البعد فهذا مما يستحب الخروج من الخلاف فيه حذرا من كون الصواب مع الخصم, والشرع يحتاط لفعل الواجبات"
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] نفائس الأصول للقرافي 1/ 37.
[2] المنثور للزركشي 2/ 128.