وهذه القاعدة باعتبار منطوقها مبنية على أصل شرعي قوي يكاد يكون محل اتفاق بين العلماء وهو ما تقرره قاعدة:"ما لا فائدة فيه يلغو ويلحق بالعدم" [1]
فهي معقولة المعنى قوية المبنى معتبرة بالجملة لدى مختلف المذاهب الفقهية إلا أن الحنفية توسعوا فيها أكثر من غيرهم وتفننوا في التعبير عنها فأصبحت حاضرة بقوة في كتبهم.
يقول الكاساني:"الأصل المحفوظ في هذا الباب ما ذكرنا من أن كل شرط يمكن مراعاته, ويفيد فهو معتبر, وكل شرط لا يمكن مراعاته, ولا يفيد فهو هدر [2] "
وصرح الحنفية بأن الإمام زفر و الشافعية خالفوهم في بعض جزئيات هذه القاعدة حيث أوجبوا مراعاة شروط صاحب الوديعة في المثال السابق في المواضع كلها حتى إن المأمور بالحفظ في بيت معين لا يملك الحفظ في بيت آخر من دار واحدة؛ واستدلوا لذلك بأن"الأصل اعتبار تصرف العاقل على الوجه الذي أوقعه"فلا يترك هذا الأصل إلا لضرورة ولم توجد [3] .
أما زفر فخالفهم في اعتباره التعيين في نذر الصدقة لازما وإن لم يفد وقال: لا يخرج عن موجب نذره إلا بالأداء كما التزمه واستدل لذلك بأن:"في ألفاظ العباد يعتبر اللفظ ولا يعتبر المعنى". وبأن أوامر العباد قد تكون خالية عن فائدة حميدة فلا يمكن اعتبار المعنى فيها وإنما يعتبر اللفظ فلا يحصل الوفاء إلا بالتصدق على الوجه الذي التزمه الناذر [4] .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] انظرها بلفظها في قسم القواعد الفقهية.
[2] بدائع الصنائع للكاساني 6/ 210، وقال في محل آخر:"الأصل في الْمُقيَّد اعتبار القيد فيه إلا إذا تعذر الاعتبار"، بدائع الصنائع للكاساني 6/ 216.
[3] انظر: بدائع الصنائع للكاساني 6/ 210.
[4] انظر: المبسوط للسرخسي 3/ 129.