فكل تصرف من المكلف, وكذلك كل حكم, يؤدي إثباته إلى نفيه ونقضه, فإنه يعتبر باطلًا, ولا ينتج أي أثر شرعي؛"لأنه لو ثبت لانتفى, ولا فائدة في ذلك, فالأولى أن ينتفي ابتداءً" [1] فمثلًا:"سقوط الشفعة فيما إذا اشترى اثنان عقارًا دفعة واحدة, فلا شفعة لأحدهما؛ لأنها لو وجبت لأحدهما لوجبت للآخر, ولو وجبت لهما لزم أن لا تجب لهما, ولا فائدة في ذلك, فالأولى أن لا تجب لهما ابتداءً" [2]
و يعبر الفقهاء عن مضمون هذه القاعدة بالدور - أو مسائل الدور -, والدور الفقهي قسمان [3] :
الأول: الدور الحكمي: أي الناشئ من حكم الشرع, وهو أن يلزم من إثبات الشيء نفيه بأن يوجب شيء حكمين شرعيين متمانعين ينشأ الدور منهما.
و الثاني: الدور اللفظي: وهو أن ينشأ الدور من لفظ اللافظ, كما في مسألة الطلاق السريجية [4] ومسألة تعليق العزل بإدارة الوكالة [5] , ويكون في صورة تعليق أمر بأمر آخر.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] قواعد فقه المذهب المالكي لمحمد يحيى الولاتي ص 159.
[2] المصدر السابق ص 160
[3] انظر:) المنثور في القواعد للزركشي 2/ 156. وانظر أيضًا: روضة الطالبين للنووي 7/ 233؛ حاشية الرملي 2/ 324؛ الأشباه والنظائر للسيوطي ص 380 فما بعدها
[4] هذه المسألة سميت بالسريجية نسبة إلى أبي العباس أحمد بن عمر بن سريج، (المتوفى 306 هـ) ، أحد فقهاء الشافعية؛ لأنه أول من أفتى بها. وصورتها: ما لو قال لزوجته إن طلقتك فأنت طالق قبله ثلاثًا. فقد أفتى ابن سريج بعدم وقوع الطلاق والحالة هذه؛ لأنه يلزم منه الدور، ووجه ذلك، أنه متى طلقها الآن وقع قبله ثلاثًا، ومتى وقع قبله ثلاثا، لم يقع الطلاق الآن، فيؤدي إثباته إلى نفيه فانتفى. وقد وافق بعض الشافعية ابن سريج على فتواه هذه، وخالفه آخرون، بل إن بعضهم - مثل العز بن عبد السلام - أنكر نسبتها إلى ابن سريج، والله تعالى أعلم. انظر: الفروق للقرافي 1/ 134 - 135،مجموع الفتاوى لابن تيمية 33/ 240 245،و 35/ 293، 294.
[5] وهو أن يقول: كلما عزلتك فأنت وكيلي. حيث سد على نفسه باب العزل. انظر: الأشباه والنظائر للسيوطي ص 381؛ موسوعة القواعد الفقهية 7/ 349.