فهرس الكتاب
مثلا, وهذه الأشياء الفطرية الجبلية المكروهة للنفوس أو المحببة إليها كثيرًا ما يكتفي الشرع بما أُودع في الإنسان تجاهها وبما جبل عليه حيالها, عن الأمر بها أو النهي عنها, بل إن داعي الطبع إلى فعل ما جُبل على الميل إليه أو إلى ترك ما جبل على النفور منه, أشد من داعي الشرع؛ إذ داعي الشرع قد يخالفه الإنسان متابعًا في ذلك لهواه وشيطانه على نحو ما لا يكاد يفعله إذا ما كان الداعي هو الطبع والجبلة؛ ولذلك إذا تعارض داعي الطبع وداعي الشرع قدم داعي الطبع, ومن أجل هذا الأمر فإن أمر الشارع ونهيه غالبًا ما يكون فيما يضاد رغبات الإنسان ويخالف هواه, وبهذا يكون الابتلاء الذي من أجله خلقه الله في هذه الحياة, وهذا المعنى هو ما عبرت عنه هذه القاعدة بصيغها المتنوعة؛ يقول الشاطبي مقررًا هذا المعنى وموضحًا له بالمثال:"الضروريات ضربان: أحدهما ما كان للمكلف فيه حظ عاجل مقصود, كقيام الإنسان بمصالح نفسه وعياله في الاقتيات واتخاذ السكن والمسكن واللباس وما يلحق بها من المتممات كالبيوع والإجارات والأنكحة وغيرها من وجوه الاكتساب التي تقوم بها الهياكل الإنسانية, فلما كان للإنسان فيه حظ عاجل وباعث من نفسه يستدعيه إلى طلب ما يحتاج إليه, وكان ذلك الداعي قويًا جدًا بحيث يحمله قهرًا على ذلك لم يؤكّد عليه الطلب بالنسبة إلى نفسه, بل جعل الاحتراف والتكسب والنكاح على الجملة مطلوبًا طلب الندب لا طلب الوجوب, بل كثيرًا ما يأتي في معرض الإباحة, كقوله: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} [البقرة: 275] , {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} [الجمعة: 10] , {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ} [البقرة: 198] , {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} [الأعراف: 32] , {كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} [البقرة: 172] وما أشبه ذلك, مع أنا لو فرضنا أخذ الناس له كأخذ المندوب بحيث يسعهم جميعًا الترك لأثموا؛ لأن العالم لا يقوم إلا بالتدبير والاكتساب, فهذا من الشارع كالحوالة على ما في الجبلة من الداعي الباعث"