دون الشيء أضعف مما هو فوقه و أعلى منه, و الضعيف لا يقاوم الأقوى, ولا يثبت أمامه, بل يضمحل ويتلاشى.
ولا يخفى أن نقض الشيء و إبطاله لما هو دونه إنما يكون إذا وردا على محل واحد وتعارضا بحيث لا يتأتى اجتماعهما, فإذا ورد أحدهما على الآخر في محل واحد وفي وقت واحد, ثبت حكم ما فوق الشيء وانتفى ما دونه شرعًا وعقلًا, ولذلك قال الفقهاء:"كل أمرين لا يجتمعان يقدم الشرع أقواهما على أضعفهما وكذلك العقل والعرف" [1] , فمثلًا: لو أن فضوليا باع دار غيره لشخص ما؛ ثم قام صاحب الدار ببيعها لشخص آخر فإن عقد الفضولي يبطل باتفاق الفقهاء؛ لأن تصرف الفضولي موقوف على موافقة المالك عند جمهور الفقهاء, فلما طرأ عليه تصرف يفيد الحل البات فور انعقاده أبطله؛ لكون العقد الموقوف دون العقد البات. و من ذلك أيضًا: إذا طرأ شك على يقين فإن الشك يلغى ولا يلتفت إليه, أما لو كان الأمر مشكوكًا فيه ثم ثبت بيقين أخذ باليقين, وطرح الشك؛ لأن"ما عرف ثبوته بيقين لا يزال إلا بيقين مثله" [2] , و لا يرتفع بالشك والظن, وما ذاك إلا لأن اليقين أقوى من الظن في إفادة العلم [3] .
وكما يرفع الشيء ما هو فوقه, فكذلك إذا طرأ عليه ما هو مثله ارتفع حكم الطارئ عليه, هذا هو الأصل, ولكن قد يتخلف هذا الأصل, و لا ينقض الشيء بمثله, ومن أشهر أمثلة ذلك قاعدة"الاجتهاد لا ينقض باجتهاد مثله" [4] . وقد قال السرخسي - رحمه الله تعالى:"الشيء لا ينقضه ما هو مثله أو دونه وينقضه ما هو فوقه" [5] , وهذا لا يعارض ما قرره السرخسي نفسه في أكثر من
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] الفروق للقرافي 3/ 246.
[2] المبسوط 24/ 13.
[3] انظر: مناهل العرفان في علوم القرآن لمحمد عبد العظيم الزرقاني 2/ 47.
[4] المبسوط 1/ 216.
[5] المبسوط 16/ 179.