فهرس الكتاب
الزركشي مسألة من:"بعث إلى بيت من لا دين له عليه شيئا ثم قال بعثته بعوض وأنكر المبعوث إليه فالقول قول المبعوث إليه", من مستثنياتها.
... وبهذا يتبين أن محل إعمال القاعدة هو الدفع الذي لم يوقف على جهته لا بتصريح من قبل المعطي عند الدفع, ولا بقرينة دالة على ذلك, تصاحب الظروف الملابسة للدفع. وأما إذا ثبت أن الدافع قد أفصح عن نيته عند الدفع, كمن أعطى شخصا مبلغا من المال وثبت أنه قال له: خذ هذا المبلغ قرضا, فلا يقبل قوله بعد ذلك أنه دفعه إليه بنية قضاء ما استحقه عليه من دين. يقول الزركشي:"والصواب أن في الكل المدار على القرينة فإن دلت قرينة لفظية أو حالية على أن المالك لم يقصد إلا الصرف في ذلك المعين لم يجز صرفه إلى غيره [1] ".
ومثال تأثير القرائن في إعمال القاعدة: من"سأله سائل وقال: إني فقير فأعطاه شيئا ثم ادعى بعد أنه دفعه قرضا وأنكر الفقير, فالقول قول الفقير؛ لأن الظاهر معه بخلاف ما إذا لم يقل إني فقير فالقول قول الدافع" [2] .
وهذه القاعدة ذات أهمية في حسم كثير من صور التنازع بين المكلفين, المتعلقة بإقباض المستحِق العاري عن البيان, حيث تقرر ترجيح اعتبار نية المدين الدافع على نية الدائن المدفوع إليه عند التنازع في وجه دفع [3] .
وهي قاعدة معمول بها لدى مختلف المذاهب الفقهية [4] , ومجال تطبيقها يشمل العبادات والمعاملات.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] المنثور في القواعد الفقهية للزركشي 1/ 147.
[2] المنثور في القواعد الفقهية 1/ 148، وقد ذكر هذا الفرع ضمن مستثنيات القاعدة.
[3] انظر: حاشية الجمل 4/ 262.
[4] انظر: حاشية ابن عابدين 4/ 491، الفتاوى الهندية 4/ 324، مجمع الضمانات لابن غانم ص 357، غمز عيون البصائر للحموي 1/ 215، تبصرة الحكام لابن فرحون 2/ 54، شرح الخرشي على مختصر خليل 6/ 84، حاشية البجيرمي 3/ 430، تحفة المحتاج لابن حجر الهيتمي 5/ 109، مطالب أولي النهى للرحيباني 2/ 160، شرائع الإسلام للحلي 2/ 76.
[5] رواه أحمد 38/ 102 (22997) والطبراني في الكبير 6/ 228 (6070) وقال الهيثمي في المجمع 3/ 90: رواه الطبراني في الكبير، ورجاله ثقات