وذهب الشافعية على العكس من الحنفية, إلى أن الأصل عدم جواز تبعيض الكفارة عملا بقاعدة:"ما جاز فيه التخيير لا يجوز فيه التبعيض, إلا أن يكون الحق لمعين ورضي", والحق في الكفارات لله تعالى. على أن الزركشي نبه بعد شرحه تلك القاعدة على أن بعض متعلقاتها محل خلاف لدى الشافعية, معبرا عنه بقاعدة استفهامية مقررة له ومقيدة جريانه بالعجز عن تحصيل المأمور به جملة, هي قوله:"من أمر بشيء وعجز عن الإتيان به جملة وأمكنه الإتيان بنصفيه معا هل يجزيه [1] ؟"ثم وضع ضابطا لترجيح التبعيض في بعض جزئياتها قائلا:"... ننظر إن كمل المقصود بذلك فيما الشرع متشوف لتكميله أجزأه كما لو أعتق المعسر نصفين من عبديه عن كفارته وكان باقيهما حرا أجزأه في الأصح [2] ...".
وينبغي التنبيه إلى أن مسائل قاعدة الزركشي هذه قد اعتبرها ابن رجب وغيره داخلة في جزئيات القاعدة التي بين أيدينا باعتبار الخلاف فيهما آئلا إلى الخلاف في جواز التبعيض.
وهذا يعني أن مجال تطبيق قاعدتنا يشمل بالإضافة إلى الصور التي يكون فيها المكلف مخيرا بين شيئين فيأتي بنصفيهما, مسائل يكون مأمورا فيها بالإتيان بالشيء الواحد كاملا فيتمكن من تحصيله بجزأين متميزين مثل أداء زكاة الفطر بنصفي صاعين من جنسين مختلفين, والضحية بنصفي شاتين وما في معنى ذلك.
وأكثر تطبيقات القاعدة إنما ورد في باب العبادات مع أنه يتصور إعمالها في كل ما شرط فيه الشارع إبراء ذمة المكلف بخصال متعددة وخيره بينها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] المنثور للزركشي 1/ 260.
[2] المصدر نفسه.