فهي وتلك القاعدة تعبران عن بعض أوجه تأثير الطوارئ في الأحكام الشرعية وتتكاملان مع القاعدة الخلافية:"هل تراعى الطوارئ؟"3, إذ محل الخلاف في تلك إنما هو في اعتبار الطارئ المتوقع مؤثرًا قبل حدوثه فيترتب عليه ما يترتب على الواقع فعلًا, أو غير مؤثر فيلغى, أما القاعدة التي بين أيدينا فلا تقرر له تأثيرًا إلا بعد وقوعه. علمًا بأن تأثير الطوارئ قد يكون محله بعد انعقاد سبب الحكم مستوفيًا لشروطه؛ إما قبل تمام المقصود وحصول المطلوب منه وهو موضوع قاعدة:"الحادث بعد انعقاد السبب قبل إتمامه يجعل كالموجود عند ابتداء السبب"4؛ أو بعد حصوله وهو موضوع قاعدة:"العارض بعد حصول المقصود لا يجعل كالمقترن بالسبب"1.
ومن جزئيات تأثير الطوارئ في العقود القول بأن العقود تتوقف على الإجازة وهو المعبر عنه بالشطر الثاني من القاعدة الخلافية:"إذا تَصَرَّف الرَّجلُ في حقِّ الغير بغير إِذنه هل يقع تصرُّفُه مردودًا أو موقوفًا على إجازته؟"2 فحيث كان الطارئ إجازة لاحقة من صاحب الحق لعقد وقع دونها فإن العقد يصح - بشروط مبينة في محالها - عند القائلين بالشطر الثاني من تلك القاعدة, وهم جمهور العلماء.
وهذه القاعدة وإن كانت الحنفية أكثر إعمالًا لها 3, فإن الشافعية يستعملون أيضًا مصطلح الوقف في العبادات للدلالة على جواز تأثير الطوارئ في انقلاب الحكم فيها: مثال ذلك: حج الصبي, فإنه إن دام صباه كان نفلًا, وإن بلغ قبل الوقوف بعرفة انقلب فرضًا عندهم 4. بل تأثير الطارئ عندهم في
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] المبسوط للسرخسي 22/ 34.
[2] مجموع الفتاوى لابن تيمية 20/ 577؛ إعلام الموقعين لابن قيم الجوزية 2/ 54.
[3] يقول الدبوسي: ومسائل هذا الباب كثيرة لا تحصى، تأسيس النظر للدبوسي ص 90.
[4] المنثور للزركشي 3/ 340.
[5] انظر: حاشية ابن عابدين 2/ 466.
[6] انظر: المغني لابن قدامة 2/ 104.