تحصيل جميعها, أو تزاحمت مفاسد, ولم يستطع درء جميعها, أو اجتمعت المصالح والمفاسد, أو لزمته حقوق وواجبات, ولم يقدر على تأدية جميعها, فإنه يقدم الأهم فالأهم من هذه الأشياء في نظر الشارع, وإن أدى ذلك إلى تأخير المهم منها أو تفويتها بالكلية في مقابلة تحصيل الأهم والأرجح.
وهذه القاعدة لها أثر كبير في واقع حياة الفرد والمجتمع, بل الأمة بأسرها, وهي من القواعد المتفق عليها بين الفقهاء - بل لا خلاف فيها بين سائر العقلاء - وإن كانوا يختلفون أحيانًا في بعض فروعها بناءً على اختلافهم في التقدير والموازنة بين رتب المصالح والمفاسد, وبالتالي تمييز الأهم من المهم, وأيها أحق بالتقديم منها.
وهي من أوسع القواعد الفقهية, تمتد فروعها في جميع الأبواب, وينبني عليها عدد من القواعد المهمة, كما سبق ذكر بعضها ضمن القواعد ذات العلاقة.
وأساس هذه القاعدة هو أن الأحكام والأعمال والتكاليف متفاوتة في نظر الشرع تفاوتًا بليغًا, وكذلك المصالح والمفاسد والحقوق ليست كلها في رتبة واحدة, وقد دل على هذه الحقيقة نصوص كثيرة, منها - مثلًا - قوله تعالى: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الاٌّ خِرِ وَجَاهَدَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللَّهِ} [سورة التوبة: 19] , كما دل على تفاوت المفاسد قوله سبحانه وتعالى: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} [سورة النساء: 31] , فقد قسم - جل ثناؤه - الذنوب إلى صغائر وكبائر, فهي مفاسد متفاوتة [1] . وقال صلى الله عليه وسلم:"الإيمان بضع وسبعون, أو بضع وستون, شعبة, فأفضلها: شهادة أن لا إله إلا الله, وأدناها إماطة الأذى عن الطريق" [2] . قال
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] انظر: الجامع لأحكام القرآن 5/ 158 - 159.
[2] رواه البخاري 1/ 11 (9) ؛ ومسلم 1/ 63 (35) واللفظ له، كلاهما عن أبي هريرة رضي الله عنه.