فهرس الكتاب
وبيان ذلك كما يقول الدكتور أحمد الريسوني أن"الذرائع تفتح أمام المكلفين على سبيل الإباحة أو الندب أو الوجوب, أو تسد عليهم على سبيل الكراهة أو التحريم, تبعا لما تفضي إليه من مقاصد ونتائج. ولكنها أيضًا تسد وتفتح بناء على درجة الاحتمال ونسبة الإفضاء إلى ما تفضي إليه [1] ".
ومما ينبغي التنبيه إليه أن ما أورده بعض المحققين على قاعدة:"وسيلة المقصود تابعة للمقصود"من أن الشيء قد يكون - كما يقول ابن القيم:"مباحا بل واجبا ووسيلته مكروهة كالوفاء بالطاعة المنذورة هو واجب مع أن وسيلته وهو النذر مكروه منهي عنه [2] ...."4, لا يقدح في قاعدتنا لأن موضوعها ما تقرر أنه مباح أو مندوب شرعا وكان مفضيا إلى مكروه.
وهذه القاعدة حاضرة في الحياة اليومية للمكلف إذ تدعوه إلى النظر في التصرفات المباحة قبل الإقدام عليها للتأكد من أنها لا توقعه في مكروه شرعا؛ فيحتاط لدينه ويسلك سبيل المتقين الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا يبلغ الرجل درجة المتقين حتى يدع ما لا بأس به؛ حذرا لما به البأس [3] "1, ويبتعد في إرتاعه عن حمى الله لأن من جعل بيه وبين المكروه سترة كان من الحرام أبعد إذ من المسلم عند الفقهاء أن:"كل مكروه فهو إلى الحرام أقرب [4] "2, وأن"من استكثر من المكروه تطرق إلى الحرام [5] "3.
ومثال ذلك: من أمكنه الوصول إلى مكان له فيه حاجة بطرق متعددة لا تلحقه مشقة في سلوك أيها شاء, وعلم أنه إذا مر على الطريق الفلانية, تكلم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] نظرية التقريب لأحمد الريسوني ص 381.
[2] مدارج السالكين لابن قيم الجوزية 1/ 116.
[3] أورده الشاطبي بهذا اللفظ في الموافقات وقال إنه صحيح الإسناد، الموافقات 1/ 120.
[4] الجوهرة النيرة للعبادي 2/ 281.
[5] فتح الباري لابن حجر العسقلاني 1/ 127.