لباطل) فإن البدعة من الباطل, ومخالطة أهل البدع لا شك أن أصله من الباطل, لكن مع ذلك ينبغي ألا يمنع ذلك أحدا أراد الإقدام على مستحب من المستحبات؛ لأن فعل المستحبات والمسنونات حق, فلا يكون الباطل سببا في تركه, ثم قد يكون الاجتماع على الحق سببا في هداية هؤلاء المبتدعة إلى طريق الحق والسنة, وبدعة المبتدع إنما تكون على نفسه لا على من يشاركه في فعل الخير والمعروف, وإذا ترك الإنسان الخير من أجل مشاركة المبتدعين له فيه فاته خير كثير تنأى الشريعة عن تشريعه واعتبار ما يؤدي إليه.
ولاشك أن الأمر في هذه القاعدة أهون من سابقتها؛ إذ الأمر هنا ليس فيه مشاهدة لمنكر أو نظر إليه أو سماع له, والذي دعا العلماء إلى التنصيص عليها هو ذلك الوهم الذي قد يدعو البعض إلى اعتبار مشاركة المبتدعة في أفعال الخير موالاة لهم أو رضا عن بدعهم أو تقريرا لباطلهم, وهذا ليس بلازم, وإنما هو محض وهم من صاحبه لا أكثر.
و النبي صلى الله عليه وسلم ورد عنه أنه صام يوم عاشوراء وأمر المسلمين بصيامه - كما سبق ذكره -, ولم يمنعه من فعل ذلك ما رآه من تعظيم اليهود لهذا اليوم وصيامهم فيه, وإذا لم تكن مشاركة اليهود مانعة له صلى الله عليه وسلم من الإتيان بالحق, فأولى ألا تكون مشاركة المبتدعة مانعة من فعله.
وعدم ترك السنن من أجل مشاركة المبتدعين فيها هو طريقة السلف و علماء المسلمين على مر العصور؛ يقول العز بن عبد السلام , وقد سئل: هل يجوز ترك السنة إذا ثبتت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لكون المبتدع يفعلها أم لا؟ يقول: لا يجوز ترك السنن بمشاركة المبتدع فيها إذ لا يترك الحق لأجل الباطل وما زال العلماء و الصالحون يقيمون السنن مع العلم بمشاركة المبتدعين [1]
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] نقله عنه في: المعيار المعرب 12/ 355، فتح العلي المالك 1/ 55.