وهذه القاعدة أخذ بها المالكية [1] والشافعية [2] والحنابلة [3] , وذهبوا إلى أن نعم الله تعالى لا تنال إلا بطاعته, والعاصي لا ينال النعمة بما هو محرم عليه شرعًا, فالمصاهرة مثلًا نعمة؛ لأنها تلحق الأجانب بالأقارب, والزنا معصية وكبيرة من الكبائر, فلا تثبت به نعمة المصاهرة. [4]
أما الحنفية فخالفوا في غالب فروع هذه القاعدة بناء على الأصل عندهم, وهو أن"النهي لا يقتضي الفساد", ولأن المحظور لغيره لا يعدم المشروعية. [5] فإذا نهى الشارع عن شيء على وضع خاص ففُعل مع ذلك الوضع فإنه يثبت الحكم للفعل ويترتب عليه الإثم. فمن اشترى خمرا ثم خللها يجوز له استعمالها في الطعام وغيره, لكنه آثم بفعل المنهي عنه. [6]
ومجال العمل بالقاعدة عند القائلين بها يشمل العبادات والعادات والمعاملات, فكل ما هو نعمة من ذلك لا ينال بسبب محظور شرعًا. فالمسافر لقصد الزنا عاص ولا يترخص برخص السفر, من قصر الصلاة وجواز الإفطار في رمضان, وغيرها من الرخص؛ لأن الترخص نعمة, وسفره للزنا معصية,
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] انظر المدونة الكبرى للإمام مالك 2/ 197، الذخيرة للقرافي 9/ 22، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 2/ 252.
[2] لم ترد القاعدة بنصها أو صيغها في كتب الشافعية، وإنما أوردها الحنفية في كتبهم ونسبوها للشافعي رحمه الله، أما فروعها المختلفة فقد أوردها الشافعية في كتبهم. وكذلك نصوا على قاعدة أخص منها وهي"الرخص لا تناط بالمعاصي". انظر الأشباه والنظائر لابن السبكي 1/ 135، المنثور للزركشي 2/ 167، البحر المحيط 1/ 410، أشباه السيوطي ص 138، أشباه ابن الملقن 1/ 394، إيضاح القواعد للحجي ص 61،، فتح العزيز للرافعي 2/ 228.
[3] انظر مجموع الفتاوى 21/ 486، القواعد النورانية ص 208، المغني لابن قدامة 7/ 93، كشاف القناع للبهوتي 4/ 245.
[4] انظر المدونة 2/ 197، الأم للشافعي 8/ 270، المغني لابن قدامة 7/ 93.
[5] تبيين الحقائق 3/ 261.
[6] انظر: ترتيب اللآلئ لناظر زاده، فتح القدير لابن الهمام 6/ 461، تبيين الحقائق 4/ 63.