النوع الرابع: أن يتعمد الشروع في فعل محرم عالمًا بتحريمه, ثم يريد تركه والخروج منه, وهو متلبس به, فيشرع في التخلص منه بمباشرته أيضًا. كمن توسط دارًا غصبها ثم تاب وندم, وأخذ في الخروج منها. فهل تصح توبته, ويزول عنه الإثم بمجردها, ويكون تخلصه من الفعل طاعة وإن كان ملابسًا. أو أن حركات الغاصب ونحوها في خروجه ليست طاعة ولا مأمورًا بها, بل هي معصية ولكنه يفعلها لدفع أكبر المعصيتين بأقلهما. فيه الوجهان في المذهب الحنبلي. ويشهد للأول أنه لا يمكنه التوبة بالانفكاك عن معصيته إلا بتلك الحركات. وقد ذهب جمهور الفقهاء إلى صحة توبته, وأوجبوا عليه سرعة الخروج من أقرب الطرق, فإذا فعل فلا إثم عليه. [1]
ولعل هذا ما جعل بعض علماء التقعيد المعاصرين يجزمون في مثل صور هذا القسم الرابع بأن:"مباشرة الممنوع للتخلص منه ليست محظورة بل مطلوبة" [2] . والأحكام المترتبة على هذا الأصل - كما يقول ابن رجب - كثيرة [3] , على ما هو مفصل في صياغة تلك القاعدة.
والقاعدة - باعتبار شطرها القاضي بأن الإقلاع عن الفعل الممنوع ترك له - مظهر من مظاهر التيسير ورفع الحرج عن المكلفين, ومن أبرز أوجه التيسير ورفع الحرج في القاعدة:
أولا: عدم حصول التكليف بالمحال, لأن المتلبس بالممنوع لا يمكنه التخلص منه إلا بمباشرته.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] انظر: البرهان للجويني 1/ 299، فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت لعبد العلي الأنصاري اللكنوي 1/ 110 شرح الكوكب المنير لابن النجار 1/ 397 - 400.
[2] الشرح الممتع على زاد المستقنع لابن عثيمين 1/ 136؛ وانظر: تلقيح الأفهام العلية للسعيدان (القاعدة الثانية والأربعون) . وانظرها بلفظها في قسم القواعد الفقهية.
[3] القواعد لابن رجب ص 106.