التفريط فإن الحق لا يسقط بل ينتقل إلى البدل, لتحول العين من الأمانة إلى الضمان؛ كالوديع إذا امتنع عن تسليم الوديعة بعد طلبها, أو إذا أخبر اللص بمكان الوديعة فسرقها منه كان ضامنا للعين.
وأما الحق المتعلق بالذمة فلا يسقط إلا بالأداء أو الإبراء, ولا يسقط بتلف المال أو استهلاكه أو ضياعه, كما تقرره القاعدة:"ما ثبت في الذمة لم يسقط بالتلف" [1] ؛ وذلك لأن ما يثبت في ذمة الإنسان من حقوق لا يتقيد وفاؤها بشيء معين من ماله, بل يتعلق الحكم فيها بواحد غير معين, كما قرر الفقهاء ذلك بقولهم:"ما تقرر في الذمة لا يكون معينا" [2] , و"الذمة لا تقبل المعينات" [3] .
ومجال تطبيق القاعدة يشمل الحقوق المتعلقة بالأشياء المعينة؛ ومن ذلك الأعيان التي تكون في يد قابضها على سبيل الأمانة؛ كيد الوديع ويد الشريك ويد المضارب ويد الملتقط إذا التقط عازما على تعريف اللقطة وردها إلى صاحبها, ونحو ذلك.
والقاعدة محل اتفاق بين الفقهاء في أصلها [4] ؛ ويدل على ذلك اتفاقهم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] القواعد الفقهية في المغني للإدريسي ص 239.
[2] قواعد المقري 2/ 399.
[3] حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 3/ 245، 341.
[4] وأما ورود بعض الصيغ الاستفهامية للقاعدة عند المالكية، فلعل السبب في ذلك الإشارة إلى اختلاف حالات العين، فهي تضمن في حالة التعدي أو التفريط، ولا تضمن في غير ذلك؛ ويدل على ذلك أن الأمثلة الثلاثة التي ذكرها صاحب شرح المنهج المنتخب ضمن القاعدة لم يذكر فقهاء المالكية فيها خلافا، وهي: لو أنفق العامل من مال نفسه على أن يرجع في مال القراض ثم تلف أو ضاع مال القراض فإنه لا رجوع له على رب المال. انظر: الشرح الكبير مع الدسوقي 3/ 530، الفواكه الدواني 2/ 123، حاشية العدوي على الخرشي 6/ 217. لو نذر عبد صدقة بشيء من ماله، فمنعه سيده، ثم عتق فإن ذلك يلزمه إن بقي ماله ذلك وإلا فلا شيء عليه. انظر: مواهب الجليل 2/ 458.