الحقوق اللازمة أو الحقوق الجائزة, وسواء أكانت من الحقوق المحدودة التي تثبت في الذمم بمجرد وجود أسبابها - و هي الحقوق التي قدَّرها الشرع, أو التزم المكلف بها- أو كانت من الحقوق غير المحدودة لا من قبل الشرع, و لا من قبل المكلف, و لا تثبت في الذمم مع وجود التكليف بها, كما تشمل الحقوق الشخصية, و الحقوق العينية, و الحقوق المالية و الحقوق المجردة و غيرها من أنواع الحقوق باعتبارات مختلفة [1] , بل تشمل حقوق العباد في هذه القاعدة جميع مصالحهم المشروعة. هذه القاعدة تقرر و تؤكد عناية الشرع الحنيف بالحقوق المشروعة والحفاظ عليها وصيانتها من الضياع و البطلان, و إيصالها إلى أصحابها مهما أمكن, تحقيقًا لمبدأ العدل الذي بعث الله به رسله, وأنزل به كتبه, ووضعه بين عباده, حتى تتم به مصالح الدنيا و الآخرة.
و معناها: أنه متى اجتمع حقان - أو أكثر - في أمر ما, وجبت على المكلف مراعاتهما, ولزمه الوفاء بهما معًا ما وجد إلى ذلك سبيلًا. أو بعبارة أخرى: إذا دار الأمر بين أن يجمع بين الحقوق و يوَّفى بها, و بين أن يحصل بعضها و يبطل بعضها, و جب المصير إلى تحصيلها جميعًا إن أمكن ذلك, و لم يجز الإخلال بشيء منها. لكن إن لم يمكن الجمع فيقدم الحق الأقوى على ما دونه.
و هي من الأصول المطردة في هذه الشريعة الربانية, وقد اتفق جميع الفقهاء على العمل بها - في الجملة - وخرَّجوا عليها ما لا يحصى من المسائل في مختلف أبواب الفقه, وعللوا بها في مواضع لا تنحصر مما تجتمع فيه حقوق مختلفة, فقالوا - مثلًًا - من استأجر من غيره أرضًا لمدة معلومة, فزرعها,
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] تُقَسَّم الحقوق باعتبارات إلى تقسيمات عدة باعتبارات مختلفة، انظرها في الموسوعة الفقهية 18/ 13 فما بعدها.