بالصرف والاستخدام إنما مدارها على المصلحة الراجحة, فما تقرر من تلك الأموال لأمر من الأمور يجوز تحويله وتوجيهه لأمر آخر على ما النفع فيه أكثر والناس إليه أحوج [1] فمن أوصى بمبلغ من المال لبناء مسجد في مكان معين, ثم تبين أن المكان المعين لذلك فيه مسجدٌ يسع المصلين, فلا بأس بتحويل ذلك المبلغ الموصى به إلى بناء مسجد في منطقة أخرى فإن لم تكن حاجة إليه فلا بأس بتحويله إلى بناء محلٍّ للتعليم والتعلم أو مركز صحي لمعالجة الفقراء والمحتاجين أو ملجأ للأيتام أو مركز للمعوَّقين يتعلمون فيه الحرف والمهارات وما إلى ذلك من وجوه البر وصوره [2] .
وهذه القاعدة مقيدة في إعمالها بأن لا يكون المصرف الذي تقرر له المال محتاجا إليه, وهذا ما عبرت عنه بعض القواعد المقيدة للقاعدة, وعليه فلا يصرف المال الذي هو حق لله تعالى من جهة إلى جهة إلا إذا تعذر صرفه في الجهة الأولى أو تم الاستغناء عنه, فما تقرر للفقراء والمساكين لا يصرف لمشروع آخر ما داموا يحتاجون إليه, وما تم حبسه لبناء مسجد لا يصرف إلى غيره إلا عند تعذر بناء المحبس عليه [3]
وهي ذات أهمية بالغة من الناحية العملية, فبمراعاتها تتحقق الجدوى الاقتصادية عن طريق تصريف حقوق الله المالية وحسن إدارتها على الوجه الذي يسهم في خدمة المجتمع وتوفير مصالحه الضرورية والحاجية.
والقاعدة قد أكثر المالكية من ذكرها والتخريج عليها كما يتضح من ملاحظة مصادر ورودها بألفاظها المتنوعة, ومجالها شامل لأبواب الفقه المتعلقة بحقوق الله المالية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] انظر: فتح العلي المالك لمحمد عليش 1/ 159.
[2] انظر معنى هذا: إعانة الطالبين 3/ 182، التاج المذهب للعنسي 1/ 210.
[3] انظر: النوازل الصغرى للوزاني 4/ 151، العقد المنظم لابن سلمون 2/ 107، البحر الزخار 5/ 158.