غير أن هذه القاعدة ليست على إطلاقها, بل هي مقيدة بالقيود التي تجب مراعاتها في القواعد المتفرعة عنها, وهذه القيود يجمعها عدم وجود مانع شرعي من إعمالها, فوجود أي مانع معتبر شرعًا يسلب القاعدة صلاحية اعتبارها - كوجود حق أقوى من حق الشخص, مثلًا - فعلى ذلك تصبح القاعدة:"كل ذي حق أولى بحقه أبدًا ما لم يمنع منه مانع معتبر شرعًا , ومن هنا"قرر الفقهاء كما في الفقه الحنفي وغيره, أن للإنسان أن يتصرف في ملكه تصرفا معتادا ولا يسأل عما يترتب عليه من ضرر حينئذ, وإنما يسأل عن الضرر إذا كان التصرف في ملكه غير معتاد." [1] فقالوا - مثلًا:"إذا أحرق حصائده في أرض مملوكة أو مستأجرة, فاحترق بذلك شيء لجاره لم يضمن لأنه تصرف في حقه تصرفا معتادا, وإن كانت الرياح مضطربة عند الإحراق فأحرقت شيئا لغيره ضمن, لأنه يعلم أن النار لا تستقر فكان مستعملا لحقه استعمالا غير معتاد؛ أي فكان متعديا." [2] . وكذلك المضطر إلى شيء لإحياء نفسه, له أن يأخذه قهرًا من يد مالكه غير المضطر [3] - بشرط الضمان -, ولا يلتفت عندئذ لهذه القاعدة؛ لوجود حق أقوى من حق صاحبه, وهو حق الإنسان في الحياة؛ لما تقرر شرعًا من أن"حفظ النفوس واجب ما أمكن" [4] , وكذلك إذا تعارض الحق العام مع الحق الخاص قدم الحق العام, وأهملت هذه القاعدة لوجود مانع من إعمالها, وهو وجوب تقديم الحق العام."
وقد اتفق الفقهاء على اعتبارها - في الجملة - وبنوا عليها مسائل لا تحصى, وإن لم يصرح كثير منهم بلفظها؛ لكنها كانت حاضرة في أذهانهم عند
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] نظرية التعسف في استعمال الحق في الفقه الإسلامي، للشيخ أحمد فهمي أبي سنة ص 8. وانظر أيضًا: المبسوط 15/ 152؛ تبيين الحقائق 4/ 196.
[2] المرجع السابق في الموضع نفسه.
[3] انظر: أسنى المطالب 1/ 78.
[4] الشرح الكبير للدردير 2/ 184.