غيرها من المعاملات و التصرفات المحرمة بحجة أن المتضرر فيها قد رضي بتحمل الضرر؛ لأن المنع و التحريم فيها لحق الله سبحانه و تعالى, و حق الله تعالى لا يسقط بالتراضي, و هذا أصل متقرر معلوم, و قد وجدنا الفقهاء يعللون به في فروع لا تحصر, من ذلك ما قاله الإمام الشافعي -فيما نقله عنه ابن القيم , رحمهما الله تعالى:"ولا يحدثون [يعني أهل الذمة] بناء يطولون به بناء المسلمين وهذا المنع لحق الإسلام لا لحق الجار حتى لو رضي الجار بذلك لم يكن لرضاه أثر في الجواز وليس هذا المنع معللًا بإشرافه على المسلم بحيث لو لم يكن له سبيل على الإشراف جاز, بل لأن الإسلام يعلو ولا يعلى" [1] .
وأصل القاعدة - ومعظم مسائلها - يتعلق بإذن صاحب الحق ابتداءً, لا بإجازته انتهاءً [2] , لكن لا مانع من تعميم لفظها لكل ما كان المنع - أو التوقف - فيه من أجل حق العبد, فتدخل فيها القاعدة الأخرى"الإجازة اللاحقة كالوكالة السابقة"التي أخذ بها جمهور الفقهاء. كما أنها يتفرع منها قولهم:"لا يجوز التصرف في المشترك بغير إذن سائر الشركاء"؛ لأن المنع من التصرف في الحق المشترك إنما هو لتعلق حق الغير به, فإذا رضي الغير بالتصرف فيه زال المانع وجاز التصرف عندئذٍ.
كما أن أصل هذه القاعدة من المسلمات الشرعية التي لم نقف فيها على خلاف بين الفقهاء , غير أنهم اختلفوا في بعض مسائلها بناءً على اختلافهم في الحق, هل هو من حقوق الله أو من حقوق العباد, فمثلًا: توكيل العدو على عدوه, فمن رأى أنه حق العبد قال: إذا رضي به الخصم جاز, و من رأى أنه حق الله تعالى قال: لا يجوز ذلك مطلقًا, رضي الخصم أو لم يرض [3] . وكذلك منع
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] أحكام أهل الذمة 3/ 1220.
[2] بدليل أن نص القاعدة متداول في مصادر الشافعية، و هم لا يأخذون بقاعدة"الإجازة اللاحقة كالوكالة السابقة".
[3] انظر: مواهب الجليل 5/ 200.