ومما اختلف فيه الفقهاء: ما ملك بعقد من عقود المعاوضات, هل يجوز التصرف فيه قبل القبض أم لا؟.
فالقاعدة عند الحنفية والحنابلة و الزيدية: أن كل عوض ملك بعقد ينفسخ فيه العقد بهلاكه قبل القبض لا يجوز التصرف فيه قبل القبض , كالأجرة وبدل الصلح. وكل ما لا ينفسخ العقد فيه بهلاكه فالتصرف فيه جائز قبل القبض, كالمهر وبدل الخلع وبدل الصلح عن دم العمد. [1] وبيان ذلك أن الفساد هنا جاء من عارض وهو غرر الانفساخ الناشئ عن عدم القدرة على التسليم لاحتمال هلاك المعقود عليه, ولا يتوهم هذا الغرر في التصرفات التي لا تحتمل الفسخ, فكان القول بجواز هذه التصرفات عملا بالأصل ولانتفاء المانع. [2] لكن الحنابلة يشترطون فيما ينفسخ العقد بهلاكه ولا يجوز التصرف فيه قبل القبض أن يكون فيه حق توفية من كيل أو وزن أو ذرع أو عد, وكذلك فيما لا ينفسخ العقد بهلاكه فإنه لا يجوز التصرف فيه بالبيع وغيره قبل قبضه إذا احتاج لتوفية, وأما ما ليس فيه حق توفية فيجوز التصرف فيه قبل القبض. [3] وعلى هذا فإذا كان لإنسان في يد غيره وديعة أو عارية أو مضاربة أو جعله وكيلا فيه, صح له التصرف فيها ببيعها لمن في يده ولغيره؛ لأنها عين مال مقدور على تسليمها لا يخشى انفساخ الملك فيها فجاز لمالكها التصرف فيها كما لو كانت في يده. [4]
وأما ما اشترط القبض فيه لصحة عقده فلا يصح التصرف فيه قبل القبض, كالصرف والسلم؛ لعدم ثبوت الملك. [5]
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] انظر: بدائع الصنائع 5/ 299، الدر المختار 5/ 148، 195، البحر الرائق 6/ 127، المغني لابن قدامة 4/ 87 - 88، الإنصاف 4/ 468، شرح الأزهار 2/ 258، 3/ 39.
[2] انظر: بدائع الصنائع 5/ 181، المغني لابن قدامة 4/ 87 - 88.
[3] انظر: المغني لابن قدامة 4/ 87 - 88، كشاف القناع عن متن الإقناع للبهوتي 3/ 245.
[4] انظر: المغني 4/ 87 - 88.
[5] انظر: بدائع الصنائع 5/ 181 - 182، القواعد لابن رجب ص 78.