فهرس الكتاب

الصفحة 8076 من 19081

بغيره بحيث لا يتميز بعضه عن بعض, فعليه أن يقدر الحرام بالاجتهاد فيخرجه من ماله عند أكثر الفقهاء؛ وذلك لأن:"التحريم لم يتعلق بذات الدرهم وجوهره, وإنما تعلق بجهة الكسب فيه, فإذا خرج نظيره من كل وجه لم يبق لتحريم ما عداه معنى ... وهذا هو الصحيح في هذا النوع, ولا تقوم مصالح الخلق إلا به" [1] , وذهب بعض الفقهاء من أرباب الورع إلى أن"المال الحلال إذا خالطه شيء من الحرام- وإن قل - يحرم" [2] , ولا يحل الباقي بإخراج المحرم؛ قال ابن العربي:"ذهب بعض الغلاة من أهل الورع إلى أن المال الحلال إذا خالطه حرام حتى لم يتميز, ثم أخرج منه مقدار الحرام المختلط به لم يحل ولم يطب؛ لأنه يمكن أن يكون الذي أخرج هو الحلال, والذي بقي هو الحرام, وهو غلو في الدين, فإن كل ما لم يتميز فالمقصود منه ماليته, لا عينه, ولو تلف لقام المثل مقامه, والاختلاط إتلاف لتميزه, كما أن الإهلاك إتلاف لعينه, والمثل قائم مقام الذاهب, وهذا بين حسًا, بين معنى" [3] . وذهب الإمام أحمد إلى التفصيل فقال: إن كان المال كثيرًا أخرج منه قدر الحرام وتصرف في الباقي, وإن كان المال قليلًا اجتنبه كله, وهذا لأن القليل إذا تناول منه شيئًا فإنه تبعد معه السلامة من الحرام, بخلاف الكثير [4] . ومنهم من فرق بين النقود وغيرها من الأموال, فاختلاط النقود يجزئ فيه إخراج قدر الحرام؛ لأنها لا تتعين بالتعيين, ولا تراد لعينها, بخلاف غيرها من الأموال؛ كما في رواية عن الإمام أحمد أنه قال:"إذا اختلط زيت حرام بمباح تصدق به, هذا مستهلك, والنقد يتحرى, وفي رواية عنه في الزيت: أعجب إلي أن يتصدق به, هذا غير الدراهم" [5] .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] بدائع الفوائد لابن القيم 3/ 257.

[2] المعيار المعرب للونشريسي 5/ 69 - 70.

[3] أحكام القرآن لابن العربي 1/ 324 - 325.

[4] انظر: جامع العلوم والحكم لابن رجب، ص 200، المغني لابن قدامة 4/ 181، القواعد لابن رجب، ص 30.

[5] الفروع لابن مفلح 2/ 665، الآداب الشرعية لابن مفلح 1/ 445. وانظر: مطالب أولي النهى 3/ 495.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت