وذلك لأنها مملوكة, والمنافع المملوكة تصح المعاوضة عليها كالأعيان, وإذا جاز تمليكها بعوض فمن باب أولى جواز تمليكها تبرعا. يقول المرغيناني:"التمليك نوعان بعوض وبغير عوض, ثم الأعيان تقبل النوعين فكذا المنافع, والجامع بينهما دفع الحاجة" [1] .
ولئن كان الأحناف مخالفين للجمهور في مالية المنافع, حيث إنهم لا يعتبرونها أموالا متقومة بذاتها, وإنما تأخذ حكم المالية بالعقد عليها [2] , وهم مرة ينفون عنها المالية أصالة فيقولون إنها ليست بأموال حقيقة ولكنها تقوم في العقود [3] , ومرة يجعلون ماليتها في مرتبة دون مالية الأعيان كما في قاعدة: (مالية المنافع لا تساوي مالية الأعيان) , إلى غير ذلك من الاختلافات التفصيلية [4] - فإنهم متفقون مع غيرهم في أنها قابلة للتمليك والتملُّك حكمها في هذا الأمر حكم الأعيان.
... وعلى ذلك فلا خلاف بين الفقهاء في أن المنافع يجوز تمليكها وتملُّكها بنقل حرية التصرف فيها للغير [5] بعوض أو بدونه كالأعيان. بل المنافع في هذا الحكم أولى لأن"العروض لا تراد لأعيانها وإنما تراد لمنافعها, ومتعلق تصرفات الخلق في الأعيان محالُّ منافعهم منها" [6] , والمفهوم من المنفعة أنها تهيُّؤ العين لذلك المعنى الذي قصد منها كالدار متهيئة للسكنى [7] , فإذا حدث
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] الهداية شرح البداية 3/ 220.
[2] انظر: المبسوط للسرخسي 23/ 23.
[3] انظر: كشف الأسرار لعلاء الدين البخاري 1/ 395.
[4] انظر: هذه الاختلافات في قاعدة (المنافع لها حكم الأعيان) ، ولأجل هذه الاختلافات قال الزركشي:"واعلم أن في تحقيق المنفعة وكونها مملوكة قبل وجودها وإيراد العقد عليها كلام كثير"المنثور 3/ 230 - 231، وانظر المنثور أيضا 3/ 198، درر الحكام لعلي حيدر 1/ 100 - 101.
[5] انظر: المنثور للزكشي 3/ 230 - 231.
[6] انظر: البرهان في أصول الفقه للجويني 2/ 607.
[7] المنثور للزكشي 3/ 230، فتاوى السبكي 1/ 434.