وإذا ثبت أن مسألةً ما داخلة في القاعدة دخولًا حقيقيًّا, ومع ذلك ثبت خروجها عن القاعدة, بإعطائها حكمًا يخالف حكم القاعدة: فإن إطلاق لفظ (الاستثناء) عليها في هذه الحالة هو محل تسليم بين العلماء. لكن ينبغي أن يُعْلَم أن الاستثناء في هذه الحالة لا بد أن يكون له سبب دعا إلى إخراج هذه المسألة عن القاعدة, وأسباب الاستثناء متعددة, وقد سبق بيانها.
ومن أمثلة هذا النوع: قاعدة (ما حرم أخذه حرم إعطاؤه [1] . ومعناها: أن الشيء الذي يحرم على الإنسان أن يأخذه يحرم على غيره أن يعطيه إياه [2] . وهناك عدد من المسائل داخلة في القاعدة دخولًا حقيقيًا, ومع ذلك عدها العلماء مستثناة من القاعدة, ومنها ما ذكره السيوطي بقوله:
"ويستثنى صور:"
منها: الرشوة للحاكم ليصل إلى حقه, وفك الأسير, وإعطاء شيء لمن يخاف هجوه, ولو خاف الوصي أن يستولي غاصب على المال, فله أن يؤدي شيئًا ليخلصه" [3] ."
فهذه المسائل داخلة في القاعدة دخولًا حقيقيًا من جهة ثبوت تحريم الأخذ فيها على الآخذ, وذلك يترتب عليه تحريم الإعطاء على المعطي, لكنها مستثناة من القاعدة, فيباح فيها الإعطاء مع وجود تحريم الأخذ. وقد ذكرها أو بعضها عدد من العلماء ووافقوا على عدها من مستثنيات هذه القاعدة [4] .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] انظر: الأشباه والنظائر للسيوطي 150؛ والأشباه والنظائر لابن نجيم 158.
[2] انظر: شرح مجلة الأحكام الشرعية للراوي 1/ 63.
[3] الأشباه والنظائر للسيوطي 150.
[4] انظر: الأشباه والنظائر لابن نجيم 158؛ ودرر الحكام 1/ 43؛ وشرح مجلة الأحكام الشرعية للراوي 1/ 64؛ وشرح المجلة للأتاسي 1/ 77؛ وشرح القواعد الفقهية للزرقاء 161، 162؛ وشرح المجلة للقاضي 103؛ والمدخل الفقهي العام 2/ 1013.