فهرس الكتاب
لكن هذه القاعدة ليست على إطلاقها, بل هي مقيدة بأن يكون الجواز الشرعي جوازًا مطلقًا, فلو كان جوازًا مقيدًا بشرط السلامة, أو بشرط حفظ حقوق الآخرين, وجب الضمان, كما نصت على ذلك القاعدة الأخرى:"المباح مقيد بشرط السلامة", على تفصيل وخلاف بين الفقهاء فيما يتقيد بشرط سلامة العاقبة, و ما لا يتقيد به [1] , ولم نقف على ضابط عام في ذلك, لكن من خلال تتبع أقوال الفقهاء وتعليلاتهم للفروع الفقهية يمكن استخلاص بعض الضوابط لما تشترط فيه سلامة العاقبة [2] , فمن ذلك:
قولهم:"ما يكون حقًا للجماعة يباح لكل واحد استيفاؤه بشرط السلامة؛ لأن حقه في ذلك يمكنه من الاستيفاء ودفع الضرر عن الغير واجب عليه فيقيد بشرط السلامة ليعتدل النظر من الجانبين [3] ".
ومن ذلك أيضًا أن يكون الانتفاع بالمباح من أجل منفعة نفسه خاصة [4] .
وعلى ذلك, فمن سار في الطريق العام فأصاب شيئًا بنفسه أو بدابته أو بسيارته فإنه ضامن له, وكذلك لو حفر حفرة في الطريق العام بدون إذن الحاكم فتلف بها شيء يكون الحافر ضامنًا؛ لأن الانتفاع بالطريق العام وإن كان مباحًا إلا أن هذه الإباحة مقيدة بشرط سلامة الآخرين. ومن ذلك أيضًا ما ذهب إليه فقهاء الشافعية من أن التعزير من الإمام والمعلم والزوج ونحوه مضمون وإن كان بصفة مباحة وإن لم يحصل تعدٍّ؛ لأن المأذون فيه مقيد بشرط سلامة العاقبة [5] .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] انظر: الموسوعة الفقهية الكويتية 3/ 387.
[2] انظر تفصيل ذلك في قاعدة"الأصل أن الواجب لا يتقيد بوصف السلامة والمباح يتقيد به"في قسم القواعد الفقهية.
[3] المبسوط للسرخسي 26/ 188.
[4] انظر ما يفيد ذلك في البحر الرائق 5/ 53، التشريع الجنائي في الإسلام لعبد القادر عودة 2/ 71.
[5] انظر: المنثور 2/ 218، و 331، 3/ 163.