فهرس الكتاب

الصفحة 8306 من 19081

وهذه القاعدة متفق على أصلها عند عامة فقهاء المذاهب , وهي ليست على إطلاقها؛ بل مقيدة بعدم قصد الضرر, وعدم التعدي. فأصحاب الولايات ونواب الشرع إذا تصرفوا في ولايتهم لغرض شخصي, لا بمقتضى الولاية, فنشأ عن هذا التصرف ما يوجب الضمان فإنه يضمن. فإذا أخطأ الحاكم في الحكم بجهله أو تعمد مخالفة الشرع في حكمه وتسبب في ما يوجب الضمان, فضمان ذلك عليه في مال نفسه لا في بيت المال. [1] وكذلك إذا تصرف بمقتضى ولايته الشرعية ثم تعدى فيها. وعلى ذلك لا يجوز لنواب الإمام كحكام الأقاليم والولايات والوزراء وأصحاب الشرطة استغلال مناصبهم لأغراض شخصية, فإن فعلوا ما يوجب الضمان فإنهم يضمنون ما أتلفوه أو تسببوا في إتلافه من أنفس أو أموال من مالهم الخاص لا من بيت مال المسلمين.

وأصل تقعيد هذه القاعدة هو الاستصلاح؛ فعدم تضمين أصحاب الولايات هو ما تقتضيه المصلحة, إذ لو لم يكن الأمر كذلك لامتنعوا عن الولاية والحكم, ولكان ذلك ذريعة إلى فساد أحوال الناس واختلال الأمن فيهم, فكانت المصلحة تقتضي أن تسد هذه الذريعة بعدم تضمينهم. قال القرافي - رحمه الله-:"المصلحة العامة قد اقتضت عدم تضمين الحكام ما أخطئوا فيه لأن الضمان لو تطرق إليهم مع كثرة الحكومات وتردد الخصومات لزهد الأخيار في الولايات واشتد امتناعهم فيفسد حال الناس بعدم الحكام". [2]

ومما سبق يتبين أن مجال العمل بالقاعدة هو ما كان من تصرفات أصحاب الولايات العامة أثناء قيامهم بمصلحة من المصالح العامة للدولة, فضمان المتلفات إذا وقعت في هذه الحالة يكون على الدولة باعتبارها شخصية معنوية

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] انظر: لباب الآثار لمهنا البوسعيدي 6/ 314.

[2] الفروق 2/ 208. وانظر قواعد الأحكام في مصالح الأنام للعز بن عبد السلام 1/ 90، 2/ 165، مغني المحتاج للشربيني 4/ 200.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت