فهرس الكتاب

الصفحة 8420 من 19081

وقاعدة الشريعة أن كل من أتلف شيئًا ضمنه, نفسًا كان أو مالًا, إلا إذا كان الإتلاف مأذونًا فيه من قبل الشارع أو المالك فإن الضمان يسقط عنه؛ إذ"الإذن في الإتلاف يسقط الضمان" [1] . وهذه القاعدة تبين صورة من الصور التي يرتفع فيها الضمان عند الإتلاف.

ومعنى القاعدة: أن من تعرض له شيء يؤذيه من آدمي أو حيوان أو غيره فأتلفه لدفع أذاه وضرره عن نفسه فإنه لا يضمن, فلو صال عليه إنسان فلم يقدر على دفعه إلا بقتله, فلا ضمان عليه, ولكن من أتلف شيئًا لدفع أذى عن نفسه به, بحيث يكون المتلَف وسيلة لدفع الأذى فإن على المتلِف ضمانه؛ كما لو حلق المحرم رأسه لتأذيه بالقمل فعليه فدية من صيام أو صدقة أو نسك؛ لأنه أتلف الشعر, لا لأذى الشعر, ولكن لدفع أذى غيره به.

والفرق بين الصورتين أن الشيء المتلَف في الصورة الأولى هو الذي حصل منه الأذى, أما في الثانية فالشيء المتلَف لم يحصل منه أذى لمتلِفه, ولكنه أتلفه ليدفع به أذى ابتلي به من غير جهته, ولم يكن له سبيل إلى دفعه إلا بإتلاف ذلك الشيء. ففي هذه الصورة أباح له الشارع الإقدام على الإتلاف للضرورة, ولكن لم يرفع الضمان عنه؛ لأن"الاضطرار لا يبطل حق الغير".

وجواز الإتلاف في القاعدة مقيد بتعيُّن ذلك طريقًا لدفع الأذى وإزالة الضرر, بحيث لم يبق سبيل إلى الدفاع عن نفسه وإبقاء مهجته إلا بالإتلاف, والأصل في ذلك هو الدفع بالأخف فالأخف, فلا يرقى إلى مرتبة مع إمكان الاكتفاء بدونها, كما في دفع الصائل إذا أمكن دفعه بإتلاف عضو من أعضائه دون قتله وجب ذلك, ولا ينتقل إلى الأعلى مع إمكان الأدنى؛ قال الإمام النووي:"ويدفع الصائل بالأخف, فإن أمكن بكلام- يزجره به - واستغاثة حَرُم"

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] التجريد للقدوري 7/ 3274.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت