وأما البيع والإجارة فلو كانا جائزين لما وثق كل واحد من المتعاقدين بالانتفاع بما صار إليه, ولبطلت فائدة شرعيتهما إذ لا يأمن من فسخ صاحبه, لكن دخل في البيع خيار المجلس على خلاف قاعدته؛ لأن الحاجة تمس إليه فجاز مع قصر مدته, وقد لا يتحقق العاقد في مدة المجلس أنه غابن أو مغبون, فشرع خيار الشرط مقدرا بثلاثة أيام تكميلا للغرض من شرعية الخيار.
النوع الثاني من التصرفات: ما يكون مصلحته في جوازه من طرفيه؛ كالشركة والوكالة والجعالة والوصية والقراض والعواري والودائع.
أما الوكالة فلو لزمت من جانب الوكيل؛ لأدى إلى أن يزهد الوكلاء في الوكالة خوف لزومها, فيتعطل عليها هذا النوع من البر, ولو لزمت من جانب الموكل لتضرر؛ لأنه قد يحتاج إلى الانتفاع بما وكل فيه لجهات أخر؛ كالأكل والشرب واللبس أو العتق أو السكنى أو الوقف وغير ذلك من أنواع البر المتعلق بالأموات.
النوع الثالث من التصرفات: ما تكون مصلحته في جوازه من أحد طرفيه, ولزومه من الطرف الآخر كالرهن وعقد الجزية, وإجارة المشرك المستجير لسماع كلام الله تعالى.
وأما الرهن فإن مقصوده التوثق, ولا يحصل إلا بلزومه على الراهن, وهو حق من حقوق المرتهن فله إسقاط توثقه به, كما تسقط وثيقة الضمان بإبراء الضامن, وهو محسن بإسقاطهما.
وأما إجارة المشرك المستجير لسماع كلام الله تعالى؛ فإنها جائزة من جهة المستجيرين, لازمة من جهة المسلمين؛ إذ لا تتم مصلحتها إلا بلزومها من قبلنا فإنها لو لم تلزم لفات مقصودها وهو معرفة المستجير لدعوة الإسلام والدخول فيه بعد الاطلاع عليه" [1] ."
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام 2/ 125 - 128.