جواز البيع والشراء وإجراء العقود مع من يغلب على الظن حل ماله, وغير ذلك من مسائل.
وإنما كان الحكم لما في نفس الأمر وليس لظن المكلف في العقود والمعاملات, ولم يكن لظن المكلف أثر فيها على حسب ما اقتضت القاعدة - لتعلق العقود بحقوق العباد, وحقوقُ العباد قائمة على مراعاتها في نفس الأمر وأخذ كل ذي حق حقه بغض النظر عن إصابة الظن أو خطئه, إذ الواجب مراعاة حصول الحق لصاحبه وإن أخطأ الظن, كما أن النية لا تشترط فيها, ولذلك لم يؤثر فيها ظن المكلف [1] , والذي يظهر أثر الظن فيه واعتباره إنما هو العبادات؛ لأن العبادات حق لله تعالى, والعبادات يراد أن يكون العمل فيها موافقا لعلم المكلف أو ظنه الغالب, فلو صلى الفرضَ وعنده أن الوقت لم يدخل فظهر أنه كان قد دخل لم يجزه ذلك [2] , وفي ذلك تقرر القاعدة التي هي قسيمة لقاعدتنا أن"العبرة في العبادات بما في ظن المكلف وبما في نفس الأمر جميعا".
كما يتبين أن القاعدة متفرعة عن القاعدة الشهيرة"لا عبرة للظن البيِّن خطؤه"حيث إن مردّ القاعدة إلى عدم اعتبار ظن المكلف الذي ظهرت مخالفته للواقع في العقود والمعاملات خاصة, بينما تلك تعم المعاملات وغيرها.
والقاعدة قد أكثر فقهاء الشافعية و الحنابلة من ذكرها والتنصيص عليها بصيغتها المختارة وصيغها الأخرى, كما هو واضح من مصادر ورودها آنفة الذكر, وهي المذهب عندهما مع وجود قول أو وجه آخر في فروع القاعدة عندهما [3] ويوافقهم الحنفية عليها بالنظر إلى الفروع الفقهية التي أوردوها تحت
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] انظر: نهاية المحتاج للرملي 3/ 405، حواشي الشرواني والعبادي 4/ 275، إعانة الطالبين للبكري 3/ 16.
[2] انظر: الأشباه والنظائر لابن نجيم ص 161.
[3] انظر ذلك عند الشافعية فيما ذكره ابن الوكيل في أشباهه ص 237 - 241 تحت قاعدته (إذا فعل فعلا بناء على أنه صحيح أو فاسد فبان في نفس الأمر بخلاف ما اعتقده، فهل انظر إلى اعتقاده أو إلى ما في نفس الأمر؟) ، وعند الحنابلة فيما ذكره ابن رجب في قواعده ص 120 في فروع قاعدة"من تصرف في شيء يظن أنه لا يملكه، ثم تبين له أنه يملكه"التي هي فرع عن قاعدتنا، وانظر لهم كذلك: القواعد والفوائد الأصولية لابن اللحام 1/ 83 فما بعدها.