وأما إذا بيعت مطلقًا فالبيع جائز وللمشتري تركها إلى وقت الجداد. وقال أبو حنيفة بيعها جائز وعلى المشتري قطعها في الحال بناءً على أصله في أن إطلاق العقد يقتضي القطع, وإطلاقه عندنا يقتضي الترك, اعتبارًا بالعرف [1] . وهذا ما دلت عليه القاعدة (يجرى العرف في العقد المطلق مجرى الشرط في العقد المقيد) . والجمهور يجيزون كذلك اشتراط تأخير التسليم والتقابض إذا كان لمصلحة معتبرة, إلا ما كان من إجماعهم على أنه لا يجوز بيع الأعيان إلى أجل, وأن من شرطها تسليم المبيع إلى المبتاع بأثر عقد الصفقة [2] .
وقد رد ابن تيمية رأي الحنفية فقال: من قال موجب العقد التسليم عقيبه فلا يجوز التأخير, يقال له: لا نسلم أن هذا موجب العقد, لأن موجبه إما أن يكون ما أوجبه الشارع بالعقد أو ما أوجبه المتعاقدان على أنفسهما وكلاهما منتف, فلا الشارع أوجب أن يكون كل بيع مستحَق التسليم عقب العقد ولا العاقدان التزما ذلك, بل تارة يعقدان العقد على هذا الوجه كما إذا بيع معين بدَين حالّ, وتارة يشترطان تأخير تسليم الثمن كما في السلم وكذلك في الأعيان, وقد يكون للبائع مقصود صحيح في تأخير التسليم كما كان ل جابر حين باع بعيره من النبي واستثنى ظهره إلى المدينة , ولهذا كان الصواب أنه يجوز لكل عاقد أن يستثني من منفعة المعقود عليه ما له فيه غرض صحيح, كما إذا باع عقارًا واستثنى سكناه مدة, أو وهب ملكًا واستثنى منفعته أو وقف عينًا واستثنى غلتها لنفسه مدة حياته وأمثال ذلك, وهذا منصوص أحمد وغيره, وبعض أصحاب أحمد قال: لا بد إذا استثنى منفعة المبيع من أن يسلم العين إلى المشتري ثم يأخذها ليستوفي المنفعة بناءً على هذا الأصل الفاسد, وهو أنه لا بد من استحقاق القبض عقب العقد وهو قول ضعيف [3] .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] انظر الحاوي الكبير للماوردي 4/ 258.
[2] بداية المجتهد لابن رشد الحفيد 2/ 126.
[3] انظر الفتاوى لابن تيمية 20/ 544 - 545.