الأعيان فضيِّق في الأعيان, ومنه يؤخذ أنه لو أعاره شاة لدرها ونسلها, أو أعاره شجرة لأخذ ثمرها ثم رجع ولم يعلم فإنه يغرم بدل الدر والنسل [1] .
ورغم أن هذه القاعدة بصيغتها لم ترد عند الحنفية والمالكية إلا أنهم عملوا بما يؤول إلى مضمونها, فالأحناف لا يرون الضمان على من استهلك منافع عين ولو غصبًا, انطلاقًا من أصلهم أن المنافع ليست أموالا إلا بالتعاقد, ومن ثم فقد ميزوا عمليا بين الأعيان ومنافعها فضمنوا الغاصب ومن عقد عقدا فاسدا ما زاد وتولد من الأعيان عند الرجوع وفسخ العقد, ولم يفعلوا ذلك في المنافع, فتسامحوا في المنافع بما لم يتسامحوا به في الأعيان, فهم يقولون بأن المنافع إنما جعلت أموالا كالأعيان في التجارات ولم تجعل كذلك في الإتلاف والغصب, فصار كون مالية المنافع معادلة لمالية الأعيان مخصوصة بالتجارات لأن الأصل عندهم فيها أن ماليتها دون مالية الأعيان بدرجات, فلا تلتحق المنافع في حق الإتلاف بالأعيان [2] . وهم بذلك يخالفون رأي الجمهور بأن"المنافع كالأعيان في ضمانها" [3] .
وأما المالكية فقد اتفقوا مع الشافعية على إباحة أن تؤجر منفعة عين بمنفعة عين أخرى اتفق جنس المنفعتين كما إذا أجر دارا بمنفعة دار أخرى, أو اختلفت كما إذا أجرها بمنفعة دابة, وخالفوا في هذا أبا حنيفة, فاغتفروا في المنافع ما لم يغتفروه في الأعيان من النَّساء مع اتحاد الجنس, ومن ثم قيل (لا ربا في المنافع) .
وأعمل المالكية قاعدة: (قبض الأوائل كقبض الأواخر) [4] في رأس مال
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] انظر تحفة الحبيب للبجيرمي 3/ 501.
[2] انظر الأسرار للدبوسي 1/ 643، قواطع الأدلة للسمعاني 2/ 113.
[3] الحاوي الكبير للماوردي 7/ 459.
[4] وهو شطر القاعدة الخلافية عندهم: (قبض الأوائل هل هو قبض للأواخر أو لا؟) وانظرها بلفظها في قسم القواعد الفقهية.