فهرس الكتاب
وفضلًا عن الفوائد المذكورة, فإن طبيعة الفكر الإنساني نفسه تميل إلى هذا النمط من المدركات لأن المدْرِك يوفِّر به على نفسه حفظ تلك الجزئيات, مما يتيح له أن يستوعب في أقصر مدة ممكنة أكبر قدرٍ من المعارف, ومما ييسر له - من بعد - بطريقة ميسورة تطبيق ما استوعبه من قضايا أو أحكام كلية على كل جزئي آخر يتعرض له من الجزئيات الداخلة في عموم تلك الكليات, ولو لم يكن له معرفة سابقة بذلك الجزئي [1] .
في إطار هذا المبدأ نشأت القواعد في عمومها وعُرِّفت في معناها الاصطلاحي بأنها"الأمر الكلي المنطبق على جميع جزئياته" [2] , أو"القضية الكلية المنطبقة على جميع جزئياتها" [3] . وهذا المعنى الاصطلاحي مرتب على معنى القاعدة في اللغة, الذي تؤول جملة التفصيلات الواردة فيه إلى الأصل أو الأساس الذي ينبني عليه غيره [4] .
وأخذًا من هذا التعريف الاصطلاحي للقاعدة, فإن كل قضية تنطبق على جميع الجزئيات المندرجة تحتها تسمى قاعدة, ثم تأخذ خصوصيتها وتتفرع بالإضافة إلى المجال الذي تدور فيه.
... فهناك قواعد نحوية كقولنا"الفاعل مرفوع"و"المبتدأ مرفوع"و"الحال منصوب".
... وهناك قواعد منطقية كقولنا:"الكل أكبر من الجزء", و"عدم الوجدان لا يستلزم عدم الوجود", و"العلم يتبع المعلوم وليس المعلوم هو الذي يتبع العلم".
وهناك قواعد فقهية كقولنا"المشقة تجلب التيسير"و"الأمور بمقاصدها"و"التابع تابع".
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] راجع ضوابط المعرفة وأصول الاستدلال والمناظرة للشيخ عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني ص 138 طبعة دار القلم دمشق الطبعة الرابعة 1414 ه 1993 م.
[2] كشاف اصطلاحات الفنون للتهانوي 5/ 1176 - 1177.
[3] التعريفات للجرجاني ص 171.
[4] نظرية التقعيد الفقهي للدكتور محمد الروكي ص 42 - طبعة دار الصفا ودار ابن حزم ط أولى 1421 هـ/2000 م.