و المعاوضة إذا كانت من معاوضات محضة [1] مثل البيع و الإجارة و نحوهما, فإن المساواة بين الجانبين مطلوبة أبدًا عند إطلاق العقد, أما في غير المحضة فلا تشترط المساواة في بعض الحالات؛ لأن غير المحضة قد يتسامح فيها بما لا يتسامح به في غيرها, فمثلًا:"ليس من شرط العوض [في هبة الثواب] أن يساوي الموهوب, بل القليل والكثير, الجنس وخلافه سواء؛ لأنها ليست بمعاوضة محضة فلا يتحقق فيها الربا" [2] , مع أنهم قالوا: من وهب غيره شيئًا هبة الثواب فعوضه عنها, ثم استحق الموهوب, كان له أن يرجع فيما عَوَّضَ. ولو استحق نصف الموهوب فللموهوب له أن يرجع في نصف العوض إن كان الموهوب مما يحتمل القسمة. وإن قال: أرد ما بقي من الهبة وأرجع في العوض كله لم يكن له ذلك وإن كان العوض مستهلكًا ضمن قابض العوض بقدر ما وجب الرجوع للموهوب له به من العوض. وإذا استحق كل الهبة, والعوض مستهلك, يضمن كل قيمة العوض [3] و هذا كله مبناه على لزوم التساوي بين الجانبين.
و يجدر التنبيه هنا على أن وجوب المعادلة و التساوي بين العاقدين إنما هو عند إطلاق العقد, أما إذا اشترط أحدهما شرطًا جائزًا فلا تشترط المساواة عندئذ, كأن يشترط أحدهما تأجيل تسليم العوض مثلًا, أو يبيع بشرط البراءة من كل عيب - عند من أجازه -, أو يشترط تعجيل الأجرة, و نحو ذلك من
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] المعاوضات المحضة: هي"التي يشترط فيها العلم بالعوض والمعوض"إعلام الموقعين 2/ 4، أو: هي ما يقصد بها المال من الجانبين"أو: هي"ما يفسد العقد فيها بفساد العوض"المنثور 3/ 185 - 186، ولا خلاف بين هذه التعريفات، وكلها من أوصاف العقود المحضة. والمعاوضات غير المحضة بخلاف المحضة، مثل الهبة بنية الثواب، والخلع. انظر: المصدر السابق في الموضع نفسه، و 2/ 304."
[2] العناية 12/ 305.
[3] انظر: بدائع الصنائع 6/ 131؛ الفتاوى الهندية 4/ 394.