وبهذا يتبين أن القاعدة تعدّ استثناء من الأصل المقرر شرعا في العقود الجائزة, وهو قابليتها للفسخ [1] , كما نصت على ذلك قاعدة:"العقود الجائزة لكل واحد من المتعاقدين فسخها" [2] , لكن هذا الاستثناء مقيد في إعماله بشرط أن لا يمكن استدراك الضرر بضمان أو نحوه, أما إذا أمكن ذلك, كالتزام الطرف المطالب بالفسخ بتحمل كافة النتائج المترتبة على الفسخ, فلا معنى آنذاك لأيلولة العقد الجائز إلى اللزوم [3] .
والقاعدة إحدى القواعد التي ترتكز على أصل عام في الشريعة وهو"لا ضرر ولا ضرار"في تنفيذ العقود على الوجه الذي يحقق النفع للمتعاقدِين ويضمن التوازن بين مصالحهم, وتقليل المضار ما أمكن [4] , فإذا كانت هذه القاعدة تضفي على العقد الجائز صفة اللزوم لمنع الضرر عن شخص هو طرف في العقد أو له تعلق به, فالأساس نفسه يعد مسوغا لجواز فسخ العقد اللازم, وهذا ما تفيده القاعدة الأخرى"الضرر عذر في فسخ العقد اللازم" [5] .
وهذه القاعدة معمول بمقتضاها لدى عامة الفقهاء [6] , وإن كان بينهم اختلاف في اندراج بعض المسائل تحتها بناء على عقد بعينه هل هو عقد جائز أم لازم, وما ورد من تطبيقات موافقة للقاعدة فهي على رأي من اعتبر العقود
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] انظر: مغني المحتاج للخطيب الشربيني 2/ 42، الحاوي الكبير للماوردي 8/ 512.
[2] الحاوي الكبير للماوردي 8/ 170.
[3] انظر: مجلة الأحكام الشرعية للقاري ص 87، نظرية فسخ العقود في الفقه الإسلامي لأسمادي محمد نعيم ص 132، نشر: دار النفائس 1426 هـ / 2006 م.
[4] انظر: لا ضرر ولا ضرار لمحمد باقر الصدر ص 322، 327، نشر: دار الفراقد الطبعة الثانية 1423 هـ / 2003 م.
[5] المبسوط للسرخسي 23/ 25 / 26.
[6] لكن يبدو أن أهل الظاهر يخالفون في ذلك؛ إذ يقول ابن حزم في موضع من المحلى:"فإن قيل: إن في ذلك (يعني في عزل الوكيل) ضررا على الخصم؟ قلنا: لا ضرر عليه في ذلك أصلا، بل الضرر كله هو المنع من تصرف المرء في طلب حقوقه". المحلى 7/ 94.