ومعنى القاعدة: أن الاستثناء في عقود التبرعات يصح ولو كان مجهولًا, ويقع العقد بما بقي بعد الاستثناء, فلا يشترط في التبرع تعيين المستثنى ولا العلم بقدره ونوعه, ولا تحديد المدة في استثناء المنفعة ونحو ذلك؛ فمن قال لغيره وهبت لك هذا الحائط إلا بعضه صحت الهبة مع جهالة الاستثناء, ويرجع في بيان قدر الاستثناء وتعيينه إلى المستثني, ومن وقف كتبه على طلبة العلم واستثنى الانتفاع بها مدة حياته؛ صح الوقف مع جهالة المدة, وذلك لأن عقود التبرعات يغتفر فيها ما لا يغتفر في عقود المعاوضات.
والأصل في الاستثناء المجهول أنه يبطل العقد ويفسده؛ لما روى جابر بن عبد الله قال: «نهى النبي 'عن الثنيا إلا أن تعلم (1) » , وسبب ذلك هو أن من شرط صحة العقد أن يكون المعقود عليه معلوما, والمستثنى متى كان مجهولا لزم أن يكون الباقي بعده مجهولا؛ إذ إن استثناء المجهول من المعلوم يصير الكل مجهولا (2) , فمن باع قطيعًا إلا شيئًا منه فسد البيع؛ لأن الاستثناء غير معلوم, فصار المبيع والمستثنى مجهولين, والجهالة تفسد العقد. إلا أن الشارع فرق في ذلك بين عقود المعاوضات والتبرعات فاشترط أن يكون الاستثناء معلومًا في عقد المعاوضة دون التبرع.
وهذه القاعدة محل خلاف بين الفقهاء؛ وذلك لأن استثناء المجهول يؤدي إلى الجهالة والغرر, والجمهور على منع الغرر في التبرعات, وذهب المالكية وابن تيمية ومن وافقهم إلى جواز الغرر في التبرعات, كما هو مفصل في قاعدة: > كل ما كان من باب المعروف لا يفسده الغرر (3) , ومقتضى ذلك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] انظر: قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي برقم: 181 (7/ 19) .
[2] رواه أبو داود 3/ 262 (3405) ، والترمذي 3/ 585، (1290) ، والنسائي 7/ 37 (3880) ، ورواه مسلم 3/ 1175 دون قوله: «إلا أن تعلم» ، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح غريب.
[3] الأشباه والنظائر للسيوطي ص 183.
[4] انظرها بلفظها في قسم القواعد الفقهية.