ومعنى القاعدة: أن المكلف إذا ارتكب محرما من المحرمات التي ثبت تحريمها ورتبت الشريعة على ارتكابه عقوبة مقدرة, فالأصل أنه يعاقب بها إذا توفرت شروط إقامتها وانتفت موانعها, أما إذا ارتكب ما يوجب العقوبة وتخلف فيه شرط من الشروط, أو وجد فيه مانع حال دون إقامتها, فإن العقوبة تسقط عنه لكنه يعاقب بعقوبة أخرى, وهي مضاعفة ضمان الشيء المحرم الذي انتهكه. وتكون هذه المضاعفة بمنزلة البدل للأصل؛ لأن الأصل أن تقام عليه العقوبة المقدرة شرعا, فلما تعذر إقامتها لفوات شرط أو وجود مانع سقط هذا الأصل وقام البدل مقامه, وهو مضاعفة الغرم عليه. [1]
فقد ذهب الحنابلة في المشهور من المذهب إلى أن الأعور إذا قلع أو فقأ عين الصحيح لا يُقتص منه؛ لأنه لو شُرع القصاص في عينه السليمة لأدى ذلك إلى ذهاب بصره بالكلية, وهذا حيف, ومن شرط إقامة القصاص الأمن من الحيف, فسقطت عنه عقوبة القصاص, وضوعف عليه الغرم فأصبحت دية العين دية كاملة لا نصف الدية. [2] ويرى المالكية أن المجني عليه يخير بين القصاص وبين أخذ الدية كاملة. [3] وخالف في ذلك الحنفية والشافعية فذهبوا إلى أنه يُقتص منه, ويترك أعمى, فإن اختار المجني عليه إسقاط القصاص وقبول الدية فله نصف الدية؛ لأن دية العينين دية كاملة, وفي العين الواحدة نصف الدية. [4] ووافقهم الزيدية [5] والجعفرية. [6]
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] انظر تلقيح الأفهام العلية للسعيدان 3/ 80. (نسخة مرقونة) .
[2] انظر المغني لابن قدامة 8/ 262، القواعد لابن رجب: ص 337.
[3] انظر تفسير القرطبي 6/ 194، الشرح الصغير للدردير 4/ 357. وفي المسألة تفصيل طويل في المذاهب حسب العين المفقوءة وهل تماثل عين الأعور أم لا.
[4] انظر حاشية ابن عابدين 5/ 354، الفتاوى الهندية 6/ 9، روضة الطالبين للنووي 7/ 135، المجموع شرح المهذب- تكملة المطيعي 19/ 77.
[5] انظر التاج المذهب لأحكام المذهب للعنسي 4/ 272.
[6] انظر شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام للحلي 4/ 221.