الصنيع من المعطِي فقال: {يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر} [البقرة: 264] ولذلك جاء الوعيد الشديد على مثل هذا الصنيع؛ فقال صلى الله عليه وسلم:"ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم ... المسبل والمنان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب" [1] وليس هذا الأمر بمتيقن الحصول من المعطِي بل إنه ربما صنع ذلك وربما لم يصنعه, ولذلك قررت القاعدة في بعض صيغها أن الأولى للإنسان ترك ما فيه منة, وأن ينأى بنفسه عما عساه أن يكون سببًا لمهانته يومًا من الدهر, لكن له أن يقبله ولا يحرُم عليه ذلك, بل غاية ما فيه أنه مكروه أو خلاف الأولى, وإن تيقن الإنسان أن هذا المعطي لن يمن عليه بعطيته لما يعلمه من أخلاقه وورعه, فإنه أيضًا لا يلزمه شرعًا قبول منته؛ لأن ذلك مما يشق على ذوي النفوس الشريفة؛ فالمنة"غامّة للنفوس مؤلمة للقلوب"كما يقول العز بن عبد السلام [2] , وفي هذا يقول القرافي:"وذوو المروآت والأنفات يضر ذلك بهم, لاسيما من السفلة, فجعل صاحب الشرع لهم قبول ذلك أو رده؛ نفيًا للضرر الحاصل من المنن من غير أهلها أو من غير حاجة" [3] ويقول الشاطبي:"والمنن يأباها أرباب العقول الآخذون بمحاسن العادات, وقد اعتبر الشارع هذا المعنى في مواضع كثيرة" [4]
والإثابة على الجميلِ المبذولِ للشخص ينبغي أن يكون حاضرًا في ذهن مَن تقع له من غيره منةٌ, وبها ترتفع اليد التي للباذل عليه, ولذلك يقول ابن عبد البر:"إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يأكل الصدقة وكان يأكل الهدية, لما في الهدية"
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي ذر رضي الله عنه 1/ 102.
[2] وقد ساق هذا الكلام تحت عنوان:"فصل فيما يدرأ من مشاقّ المنن"وهو واضح في الدلالة على ما ذكرناه. انظر: قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام 2/ 22.
[3] الفروق للقرافي 2/ 202.
[4] الموافقات للقرافي 3/ 90.