من تآلف القلوب والدعاء إلى المحبة والألفة, وجائز عليها الثواب فترتفع المنة, ولا يجوز ذلك في الصدقة" [1] وعليه يحمل قول من قال:"إن قبول الهدية سنة, لكن الأولى ترك ما فيه منة, فإن كان البعض تعظم منته دون البعض رد ما تعظم" [2] , فيكون مراده بما تعظم منته: ما لا يستطيع الإثابة عليه, والله تعالى أعلم."
ومما ينبغي ملاحظته أن أبا حنيفة رحمه الله تعالى قد ذهب إلى أن المكلف لا يعتبر قادرًا بقدرة غيره [3] , وإنما ذهب إلى هذا لما في ذلك من تحمل المنن من الغير, وبهذا يتضح تفرع هذه القاعدة السابق لفظها عن القاعدة التي بين أيدينا, على أن الجمهور قد خالفوا أبا حنيفة في هذا فذهبوا إلى أن"القادر بقدرة الغير ليس بعاجز" [4] لكن الذي ينبغي ملاحظته أن الجمهور القائلين بذلك قد قالوا بهذه القاعدة حين لا يكون لهذا الغير منة, أو كانت المنة فيه يسيرة, أما إذا كان لباذل شرط العبادة للغير منةٌ كبيرة غير يسيرة فإن فروعهم ناطقة بأنه لا يصير قادرًا بذلك, موافقين ل أبي حنيفة رحمه الله, ولذلك فإن من الفروع الواردة أن من لم يجد ماء لوضوئه وبذله له شخص وجب عليه قبوله, ولم يجز له أن يتيمم؛ لأن المنة في بذله الماء يسيرة, بخلاف ما لو بذل له مالًا ليشتري به الماء, فإنه لا يلزمه قبوله, ويجوز له التيمم؛ لأن المنة ببذل المال كبيرة [5] , وقد جعل عز الدين بن عبد السلام , رحمه الله تعالى المنة ثلاثة أنواع: شديدة وخفيفة ومتوسطة, قال:"فلا يحمّل الشرع المنة الشديدة إلا"
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] الاستذكار لابن عبد البر 6/ 70.
[2] فيض القدير للمناوي 3/ 271، شرح الزرقاني على الموطأ 4/ 333.
[3] البحر الرائق لابن نجيم 1/ 148.
[4] انظر: حاشية ابن عابدين 1/ 432.
[5] انظر: الشرح الصغير للدردير 1/ 188، مغني المحتاج للشربيني 1/ 90، المغني لابن قدامة 1/ 240، قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام 2/ 19.