والمراد ب (المعتاد المتعارف) : أي المشهور بين الناس فيما يجري بينهم من مخاطبات ومعاملات بحسب كل مكان وزمان [1] , كمطلق تسمية النقد, والألْف, والدابة, والقوت, والخبز, والصاع, والبيت, اشتهر بين الناس استعمالها في معان خاصة, بحيث تنصرف إليه التسمية عند التلفظ بها مطلقة [2] .
والأصل المستقر لدى الفقهاء أن مطلق الأمر ينصرف إلى المعهود المتعارف, وهذا ما عبرت عنه غير صيغة, والضابط الذي بين أيدينا واحد من أهم تفريعات ذلك الأصل, ومفاده: أن الشخص إذا أقام غيره مقام نفسه في أمر من الأمور التي تقبل الاستنابة, وحدد له ماهية هذا الأمر, كأن يقول له: (وكلتك في شراء أو بيع دابةٍ أو منزلٍ أو حاسبٍ آليٍّ أو سيارةٍ أو طعام, أو استئجار بيتٍ أو متجرٍ) , دون أن يشتمل عقد الوكالة على التفاصيل المتعلقة بجنس الموكَّل به أو نوعه أو صفته, فإن الوكالة في هذا الأمور تنصرف إلى ما هو شائع مشهور بين الناس في كل موضع بحسبه, وحاصل ذلك أن الوكالة تتقيد بالتقييد [3] , وأن التقييد الثابت بالعرف بمنزلة التقييد الثابت بالنص [4] .
وإذا كان الموكل به يتعلق به عرفان: أحدهما عام, والآخر خاص, سواء كان خاصًّا بمحلة أو بطائفة, فالمعتبر الأغلب من عادات البلاد والعباد [5] , وقيل: العرف الخاص أولى بالاعتبار من العام, وهو المعبر عنه بقول بعض الفقهاء:"العادة المطّردة في ناحية تنزل منزلة الشرط [6] ؛ وقولهم:"المعروف في كل موضع يجعل كالمشروط" [7] ."
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] أحكام القرآن للجصاص 1/ 635.
[2] انظر: المبسوط 19/ 99.
[3] انظر: المبسوط 19/ 70، الفتاوى الهندية 5/ 191، درر الحكام لعلي حيدر 4/ 598.
[4] انظر: المبسوط 23/ 137.
[5] انظر: الفتاوى الفقهية الكبرى لابن حجر الهيتمي 4/ 58.
[6] حاشية البجيرمي 3/ 278.
[7] المبسوط 16/ 49.