وفي الحديث الشريف:"إن الله يحب أن تُؤتَى رخصه, كما يحب أن تؤتى عزائمه" [1] , وفي رواية: «إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته» [2] . فمن يغالي في التمسك بالعزائم ولو كان فيها ترخيص أو ما يستحق الترخيص, هو كمن يغالي في تطلب الرخص والتعلق بها. فكلاهما خارج عن"الوسط الأعدل".
... - ومن المجالات التي يتجلى فيها العمل بقاعدة التوسط: الواجباتُ غيرُ المقدرة في الشرع, سواء كانت عينية؛ كالنفقات الواجبة, وصلة الأرحام, وتلاوة القرآن, أو كانت كفائية؛ كطلب العلم, والدعوة إلى الله تعالى, والأمرِ بالمعروف والنهي عن المنكر. فالشرع لم يحدد لهذه الواجبات مقادير معينة كما هو الشأن في مقادير الصلاة والزكاة والصوم, ومقاديرِ عِدد النساء, ومقادير الجلد للزاني والقاذف وشارب الخمر.
... فالواجبات والأوامر غير المقدرة, يلزم فيها ومنها ما هو وسط بين الإكثار والإقلال, وبين التشدد والإهمال. قال الشاطبي:"فإن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن أشياء وأمر بأشياء, وأطلق القول فيها إطلاقًا, ليحملها المكلف في نفسه وفي غيره على التوسط" [3]
وحد التوسط هنا قد يكون تقديره من صلاحيات القضاة وغيرهم من ذوي الولايات العامة والخاصة, وقد يتولاه الفقهاء والمُفتون. وقد يكون موكولًا إلى أمانات المكلفين بأنفسهم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] رواه ابن أبي شيبة 13/ 477 (27004) ؛ والبزار (كشف الأستار) 1/ 469 (990) ؛ وابن حبان 2/ 69 (354) ؛ والطبراني في الكبير 11/ 255 - 256 (11880) (11881) من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما؛ وقال الهيثمي في المجمع 3/ 162: رجال البزار ثقات، وكذلك رجال الطبراني.
[2] رواه أحمد 10/ 107 (5866) ؛ والبزار (كشف الأستار) 1/ 469 (988) ؛ وابن خزيمة 2/ 73 (950) ؛ وابن حبان 6/ 451 (2742) ؛ والطبراني في الأوسط 6/ 145 - 146 (5298) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما؛ وقال الهيثمي في المجمع 3/ 162: إسناده حسن.
[3] الموافقات 3/ 151.