فهرس الكتاب

الصفحة 1439 من 19081

وعلى هذا المنهج مضى الشارع في تشريعه للأحكام حيث ميّز بين ما هو ثابت فبيّن تفاصيله واستوعب جزئياته وصوره وأحواله, وما هو متغير فترك تفاصيله للمجتهدين يختارون فيها الأنسب لهم والأرفق بهم والأقدر على تحقيق مصالحهم ومنافعهم.

هذا, وإن المتتبع لأحكام القرآن الكريم يجده في غالبه إجمالي لا تفصيلي, وكلي لا جزئي, ليتولى الرسول صلى الله عليه وسلم بعد ذلك مهمة البيان التفصيلي لها إذا كان الأمر يقتضي ديمومة الحكم وثباته كما في عبادة الصلاة والحج والزكاة التي جاءت مجملة في القرآن الكريم, وفصّلها الرسول صلى الله عليه وسلم بأفعاله وأقواله مبيَّنا كيفيتها ومواقيتها وعددها وجميع تفاصيلها, حيث قال:"صلوا كما رأيتموني أصلي" [1] وقال صلى الله عليه وسلم:"خذوا عني مناسككم" [2]

وقد يترك الرسول صلى الله عليه وسلم البيان التفصيلي لبعض القضايا, وذلك حتى يتسنى للمجتهدين استعمال عقولهم في تطبيق كلياته حسبما يحقق مصالح الناس ويتلاءم مع مختلف البيئات على مرّ الأزمان لتظهر بذلك مرونة الشريعة وليتجلى عمومها وأبديتها.

قال الأستاذ محمد مصطفى شلبي:"وحكمة هذا التفصيل أن هذا النوع من الأحكام إما أن يكون من الأمور التعبدية التي لا مجال للعقل فيها, أو أن العقل يدرك حكمها ولكنها لا تختلف باختلاف الأزمان ولا أثر لتعدد البيئات فيها."

كما أن حكمة الإجمال في الذي لم تفصل السنة كل جزئياته أنه لا يلبس ثوبا واحدا في جميع الأزمان وكل البيئات, بل يتطور تطبيقه بتطور الزمن, ويختلف ذلك التطبيق من بيئة لأخرى فكان إجماله من رحمة الله بهذه الأمة." [3] "

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] جزء من حديث رواه البخاري 1/ 128 - 129 (631) ومواضع أخرى من حديث مالك بن الحويرث رضي الله عنه.

[2] رواه مسلم 2/ 943 (1297) بنحوه من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.

[3] أصول الفقه الإسلامي لمحمد مصطفى الشلبي ص 98.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت