المسألة عن أحمد جماعة من أصحابه. قال أحمد: الذين يقاتلون العدو هم الذين يدفعون عن الإسلام وعن حريمهم, فأي عمل أفضل منه؟ الناس آمنون وهم خائفون, قد بذلوا مهج أنفسهم.
والأحاديث متظاهرة بذلك: فعن أبي هريرة أن رجلا جاء إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: دلني على عمل يعدل الجهاد, قال:"لا أجده", ثم قال:"هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك فتقوم ولا تفتر, وتصوم ولا تفطر؟"قال: ومن يستطيع ذلك [1] , ولما روي عن أنس بن مالك أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:"ما من عبد يموت له عند الله خير يسره أن يرجع إلى الدنيا, وأن له الدنيا وما فيها إلا الشهيد لما يرى من فضل الشهادة, فإنه يسره أن يرجع إلى الدنيا فيقتل مرة أخرى" [2]
ولا يرد على تفضيل وتقديم جنس الجهاد على جنس الحج: أن الحج من أركان الإسلام الخمسة والجهاد ليس منها, أو أن الغزو فرض كفاية والحج فرض عين؛ لأن الأمر في الجهاد يتعلق بمصلحة الأمة ومصيرها, فنفع الجهاد متعد, ومقاصده أشمل وأعم, ويدور مع الأحكام التكليفية الخمسة. وأما الحج فيتعلق بمصلحة الفرد, ونفعه قاصر غالبا. [3]
وفي ضوء هذا يفسر ما نقله القرافي وغيره عن الإمام مالك من أن:"الحج أفضل من الغزو إلا في الخوف فلا يكون أفضل" [4] , فهو من باب المفاضلة والتقديم لما كان منهما فرضا على ما كان نفلا, وما كان منهما على الفور على ما كان على التراخي, وما كان منهما مضيقا على ما كان موسعا, كما ورد في
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] أخرجه البخاري.
[2] أ رواه البخاري 4/ 17 (2795) واللفظ له؛ ومسلم 3/ 1498 (1877)
[3] انظر: فتح الباري: 1/ 79، فتح القدري، للمناوي: 2/ 27.
[4] الفروق: 2/ 360، الذخيرة: 3/ 174، التاج والإكليل، للمواق: 2/ 534، مواهب الجليل، للحطاب: 2/ 534