زادت الصور المستقراة كان الظن أقوى. [1] وبعض الأصوليين لا يُقيِّد الاستقراء الناقص بأن يكون التتبع فيه لأكثر الجزئيات؛ بل يصح عندهم بتتبع بعض الجزئيات ولو لم تكن هي الأكثر. قال الرازي: «الاستقراء المظنون هو إثبات الحكم في كُلِّيٍّ؛ لثبوته في بعض جزئياته» . [2]
وبناء على أن الاستقراء الناقص مفيد للظن؛ فهو حجة معتبرة عند جمهور الأصوليين, [3] ومن خالف منهم كالرازي [4] إنما خالف في إفادته للظن ابتداء؛ لا في كون الظن المستفاد منه حجة يجب العمل بها. قال السبكي: « .. الخلاف الواقع في أنه هل يفيد الظن؛ لا في أن الظن المستفاد منه حجة» . [5]
وإذا تقرَّر ما سبق فإن الواقع العملي يشهد أن الاستقراء الناقص هو الذي جرى استعماله عند الفقهاء والأصوليين؛ أما الاستقراء التام فهو غير واقع في أكثر استدلالاتهم؛ لأن المجتهد إنما يحتاج للاستقراء لبيان الحكم الشرعي في الصورة الجزئية في حين أن جميع الجزئيات في الاستقراء التام معلومة فلا حاجة لإثبات الحكم في بعضها بالاستقراء؛ ولذلك فإن الاستقراء إذا أطلق عند الأصوليين انصرف إلى الناقص. قال الشربيني: « .. ومن هنا يُعلم أنه لا حاجة بهم - أي الأصوليين - إلى الاستقراء التام عند المناطقة؛ لأنه مبني على علم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] جمع الجوامع مع شرحه للمحلي وحاشية البناني 2/ 345؛ والبحر المحيط للزركشي 8/ 6؛ وشرح الكوكب المنير 4/ 419؛ والتقرير والتحبير في شرح التحرير لابن أمير الحاج 1/ 65؛ ومناهج العقول للبدخشي مع نهاية السول 3/ 160.
[2] المحصول للرازي 6/ 161؛ وانظر: شرح البدخشي على نهاية السول 3/ 180.
[3] انظر: أصول الفقه لابن مفلح 4/ 1449؛ والحاصل لتاج الدين الأرموي 2/ 1068؛ والتحبير للمرداوي 8/ 3789؛ وشرح الكوكب المنير 4/ 420؛ والبدخشي مع نهاية السول 3/ 180؛ والبحر المحيط للزركشي 4/ 321؛ وسلم الوصول للمطيعي 4/ 380.
[4] انظر: المحصول للرازي 6/ 161.
[5] الإبهاج شرح المنهاج لابن السبكي 3/ 171.