فهرس الكتاب

الصفحة 15926 من 19081

وكل ما تقدم يؤيد ما قررته القاعدة من أن نفي الحل يقتضي ثبوت التحريم صراحة.

وخالف ما تقرره القاعدة بعض العلماء فذهبوا إلى أن نفي الحل لا يلزم بالضرورة أن يكون مفيدًا للتحريم؛ لأن المكروه يصدق عليه أيضًا أنه ليس بحلال, وهذا مبني على ما ذهب إليه هؤلاء من أن الحل أو الحلال بمعنى المباح المستوي الطرفين, بحسب تفسير المتأخرين للمباح [1] , والمكروه ليس بمستوي الطرفين بل هو راجح الترك؛ وبناء عليه فإن نفي الحل يمكن أن يلزم منه الكراهة أو الحرمة [2] .

وبالنظر إلى مبنى كل من الرأيين - رأي القاعدة ومن قال به ورأي المخالفين - نلاحظ أن ما قررته القاعدة مبني على ما ورد على لسان الشارع من المقابلة بين الحل والحرمة, وما اقتضته هذه المقابلة من التنافي بينهما, وأن ما خالفها فيه الآخرون مبني على ما ذهبوا إليه من التقسيم الأصولي للأحكام, وهذا ما أكده ابن النجار عند شرحه لعبارة المرداوي"الحرام ضد الواجب"بقوله: وإنما كان ضده باعتبار تقسيم أحكام التكليف, وإلا فالحرام في الحقيقة, ضد الحلال؛ إذ يقال: هذا حلال وهذا حرام كما في قوله تعالى في سورة النحل: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ} [النحل: 116] [3] .

ولما كانت الفائدة مما تقرر تفسير كلام الشارع وفهم أحكامه, فإن الحاكم فيه ينبغي أن يكون ما ورد على لسانه, ومنه التقابل بين الحل والحرمة وما يقتضيه من التنافي بينهما, أما ما ورد عن الأصوليين من التقسيم فقد اقتضته ضرورة البحث, والتتبع العلمي والتفصيلي للأحكام.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] انظر: شرح تنفيح الفصول للقرافي 62، البحر المحيط للزركشي 1/ 365.

[2] انظر: مواهب الجليل للحطاب 5/ 325 ط: دار الفكر.

[3] شرح الكوكب المنير ص 120.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت