فهرس الكتاب

الصفحة 1864 من 19081

ونظرا لكون الاستحسان التفاتًا إلى أصل رفع الحرج عند إجراء الأحكام على أفرادها كان تعريف السرخسي له:"وقيل: الاستحسان الأخذ بالسعة وابتغاء الدعة, وقيل: الأخذ بالسماحة وابتغاء ما فيه الراحة, وجُلّ هذه العبارات أنه ترك العسر لليسر" [1] . وهذه العبارة تكشف عن جوهر الاستحسان وروحه ولبه.

... وتأسيسًا على هذا المعنى انبنت القاعدة الأصولية:"القياس يترك بالضرورة والحرج [2] "

وبهذا نخلص إلى أن الأصل في كل تطبيق للنصوص العامة والأحكام الكلية أن يكون تطبيقًا مراعيا لأصل رفع الحرج لأنه من أعظم مقاصد الشارع, وغاية تطبيق الأحكام الشرعية كلها هي تحقيق إرادة الشارع ومقاصده على أرض الواقع, فإذا ظهر أن التطبيق قد انحرف عن هذه الغاية وباتت الأحكام سببًا للضيق بدلًا من السعة, وللمشقة بدلًا من اليسر, وللنكاية بدلًا من السماحة, فمعنى ذلك أن الأحكام قد انصرف بها عن غايتها التي شرعت من أجلها, إما لخلل في الأصل الذي اعتمده الفقيه, وحينئذ لا يصلح أن يكون أصلًا معتبرًا, وإما لخلل في عملية التطبيق, وحينئذ يجب استثناء الجزئيات التي يكون تطبيق الحكم عليها آيلًا إلى المشقة والحرج.

وبناء على هذا المعنى نشأت العديد من القواعد الفقهية التي تقرر مبدأ الاستثناء من الأصل العام عندما يكون تطبيقه على بعض الجزئيات سببًا في الحرج والمشقة غير المعتادة مثل قاعدة"الضرورات تبيح المحظورات [3] ", و"المشقة تجلب التيسير [4] ", و"الحاجة تنزل منزلة الضرورة [5] ", وقاعدة الرخص بشكل عام, وغيرها من القواعد التي تتضمن مبدأ العدول عن الأصل العام في بعض

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] المبسوط للسرخسي 10/ 145.

[2] الذخيرة البرهانية لابن مازة 1/ 450.

[3] انظرها في قسم القواعد الفقهية.

[4] المصدر السابق.

[5] المصدر نفسه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت