سيفضي إليه من إعنات الناس وإيقاعهم في الحرج الكبير إذ إن العوام وهم أكثر الناس سيتعذر عليهم في كثير من الحالات فهم الخطاب الشرعي وإدراك مدلولاته, ولن يكونوا قادرين على الاجتهاد للتوصل إلى الحكم الشرعي؛ لأنهم ليسوا أهلا لذلك, وسيتسبب هذا الأصل في الحكم عليهم بعدم القدرة على الامتثال بالتكليف, ومن هنا نجد أن الإمام الشاطبي قد قرر أن"فتاوى المجتهدين بالنسبة للعوام كالأدلة الشرعية بالنسبة إلى المجتهدين [1] "وذلك من أجل التيسير على العوام في إدراك الحكم الشرعي والامتثال بالتكاليف المختلفة.
2 -ذهب ابن تيمية إلى بطلان الأصل الذي يقرر حرمة تأجير الأراضي المغروسة بالأشجار مطلقا وقد استند أصحاب هذا الأصل -وهم الجمهور- في تقريره على أن في هذه المعاملة بيعا للثمر قبل بدو صلاحه, وهو منهي عنه بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم , فكان رد ابن تيمية على هذا القول بأن إجراء هذا الأصل على المكلفين بإطلاق سيؤدي إلى حرج بالغ بهم من جهة تحريمه لمعاملة تشتد حاجة الناس إليها, حيث عمت البلوى في كثير من البلاد أن الأرض تكون مشتملة على غراس وأشجار, فيريد صاحبها أن يؤاجرها لمن يسقيها ويزرعها وينتفع بثمارها, وعليه فإنه لا يصلح اعتماد القول بمطلق التحريم أصلا شرعيا مقررا, وهذا ما وضحه بقوله:"فكل ما لا يتم المعاش إلا به فتحريمه حرج, وهو منتف شرعا. والغرض من هذا: أن تحريم مثل هذا - أي إجارة الأراضي المغروسة بالأشجار- مما لا يمكن الأمة التزامه قط؛ لما فيه من الفساد الذي لا يطاق. فعلم أنه ليس بحرام؛ بل هو أشد من الأغلال والآصار التي كانت على بني إسرائيل ووضعها الله عنا على لسان محمد صلى الله عليه وسلم." [2]
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] الموافقات للشاطبي 4/ 292.
[2] القواعد النورانية لابن تيمية 2/ 373.