ينضبط؛ فإنه لا وصف يضبط ما تجوز معه الرخصة وما لا تجوز" [1] "
ولا يعني عدم صلاحية الهوى ليكون معيارًا للمشقة المؤثرة في التيسير, أن الشارع قد ألغى جانب الغرائز الجبلية التي فطر عليها الإنسان ولم يقم لها وزنًا, ذلك أن المقصود بهذه القاعدة عدم التعويل على الهوى عندما يكون مكافحًا ومصادمًا لأوامر الشارع ونواهيه وتكاليفه الشرعية المختلفة, وهذا ما وضحه الشاطبي بقوله:"إن مراسم الشريعة إن كانت مخالفة للهوى فإنها أيضا إنما أتت لمصالح العباد في دنياهم ودينهم, والهوى ليس بمذموم إلا إذا كان مخالفًا لمراسم الشريعة وليس كلامنا فيه, فإن كان موافقًا فليس بمذموم" [2] .
ويمكن أن يمثل على معنى القاعدة بالمشقة التي قد تجدها النفس من غض البصر عن العورات وحفظ الفرج عن المحرمات فإنها لا تقتضي إباحة النظر ومشروعية الزنا والترخص فيهما, وكذلك مشقة الحرج الاجتماعي التي قد تلزم عن الامتناع عن المشاركة في اللقاءات والحفلات التي تقدم فيها الخمور ويختلط فيها الرجال مع النساء فإنها لا تسوِّغ حضور هذه الحفلات والمشاركة فيها, ومخالفة الهوى التي يجدها المقاتلون وهم يضحون بأنفسهم وأرواحهم فإنها لا توجب إسقاط الجهاد عن الأمة, ومشقة الجوع والتعب والعطش التي فيها مخالفة لهوى نفس الصائم عادة, فإنها لا تستدعي الترخيص له بإباحة الإفطار, ذلك أن جميع هذه المشاق هي من نتاج مخالفة هوى النفس التي لا تصلح لمصادمة قصد الشارع الماثل في تكاليفه الشرعية.
هذا, وإن السعي للترخص استجابة للهوى وشهوات النفس قد يكون في كثير من صوره وحالاته عن طريق تلمس بعض أقوال أهل العلم التي يجد فيها المكلف فرصة سانحة للتهرب من التكليف والتفلت من الالتزامات الشرعية, وهذا ما حدا بابن القيم إلى جعل الرخصة نوعين [3] :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] إعلام الموقعين لابن القيم 2/ 130.
[2] الموافقات 1/ 344.
[3] انظر: مدارج السالكين لابن القيم 2/ 57.